لم تعد الحرب في غزة مجرد صراع عسكري يهدد حياة المدنيين، بل تحولت إلى عائق ضخم يواجه طموحات مئات الطلاب الذين وجدوا انفسهم امام مصير مجهول بعد توقف مسيرتهم التعليمية وانهيار البنية التحتية للمستشفيات والجامعات في القطاع. في ظل هذه الظروف القاسية، بادرت جامعة مدنيات اسطنبول بتقديم طوق نجاة لهؤلاء الشباب عبر برنامج اكاديمي نوعي يهدف لاستضافة طلاب الطب والاطباء الخريجين لتمكينهم من استكمال دراستهم وتدريبهم العملي في بيئة امنة. واوضح البروفيسور اورهان عالم اوغلو، رئيس قسم الجراحة العامة بكلية الطب، ان هذه الخطوة جاءت امتدادا لسنوات طويلة من التعاون الطبي مع غزة بدات منذ عام 2014، حيث تحولت تلك الروابط الانسانية والمهنية الى مشروع انقاذ حقيقي لمسارات علمية كانت مهددة بالضياع التام.
من النزوح الى مقاعد الدراسة
وبين اوغلو ان الفريق الجامعي واجه تحديات لوجستية ومالية كبيرة لتامين وصول الطلاب من مناطق النزوح الى تركيا، مؤكدا ان رؤية هؤلاء الطلاب داخل قاعات المحاضرات والمختبرات بدلا من خيام النزوح كانت لحظة فارقة في تاريخ الجامعة. واضاف ان فرحة تخرج الدفعة الاولى المكونة من 16 طبيبا فلسطينيا كانت ممزوجة بمشاعر الفخر والحسرة في آن واحد، نظرا لغياب عائلاتهم عن لحظات التتويج، مشيرا الى ان الاستعدادات جارية لتخريج دفعة اخرى تضم 17 طالبا بنهاية العام الحالي.
100 طبيب لغزة
وتابع اوغلو ان المبادرة لا تكتفي بإنقاذ السنوات الدراسية، بل تطمح الى تخريج ما لا يقل عن 100 طبيب فلسطيني وتدريبهم في تخصصات دقيقة تحتاجها المنظومة الصحية في القطاع مستقبلا. وكشف ان الهدف الاساسي هو بناء كوادر طبية قادرة على المساهمة في اعادة اعمار القطاع الصحي المتهالك، مشددا على ان التعافي الحقيقي لغزة لا يمكن ان يكتمل الا باستعادة قدراتها الصحية المستدامة.
طبيبة تتخرج بعيدا عن غزة
واظهرت قصص الطلاب حجم المعاناة التي واجهوها، حيث تروي الدكتورة نورة بوعقلين كيف تواصلت مع عدة جهات بعد تعثر دراستها في سنتها الاخيرة بسبب الحرب، حتى وجدت ضالتها في جامعة مدنيات اسطنبول. واضاف الطالب حسين اسماعيل، القادم من جامعة الازهر، ان رحلة النزوح من شمال القطاع الى جنوبه ومحاولات التطوع في المستشفيات المنهكة كانت دافعا قويا له للمضي قدما في مساره التعليمي رغم مرارة الفقد والبعد عن الوطن.
فرحة التخرج ووجع الغياب
وبين اوغلو ان ما لفت انتباهه هو الاصرار غير العادي لهؤلاء الطلاب الذين لم يعتبروا التعليم مجرد ترف، بل وسيلة استراتيجية للعودة الى غزة وخدمة مجتمعهم. واكد ان هذه المبادرة تمثل سدا منيعا ضد محاولات تدمير مستقبل جيل كامل من الاطباء، مشيرا الى ان هؤلاء الخريجين يحملون اليوم مسؤولية مضاعفة للمساهمة في اعادة نبض الحياة للمستشفيات الفلسطينية.
