تشهد دول وسط اوروبا تحولا اقتصاديا لافتا في سياساتها الاستثمارية حيث بدأت تتجه نحو تعزيز شراكاتها مع الصين بشكل مكثف. ياتي هذا التوجه في محاولة جادة لتعويض التباطؤ الملحوظ في الاقتصاد الالماني الذي ظل لسنوات طويلة يمثل المحرك الرئيسي للصناعات في هذه المنطقة. كشفت التقارير الاقتصادية ان هذا التحول يعكس رغبة هذه الدول في اعادة صياغة روابطها التجارية بعيدا عن الاعتماد الكلي على برلين. واوضحت البيانات ان الشركات الالمانية التي كانت تعتبر العمود الفقري للصناعة في بولندا والمجر وسلوفاكيا والتشيك تواجه تحديات متزايدة دفعت دول المنطقة للبحث عن بدائل اكثر استقرارا.
استراتيجية التوسع الصيني في اوروبا
واكد خبراء الاقتصاد ان ضعف الاداء الصناعي في المانيا وتصاعد المنافسة في قطاعات السيارات والكيماويات قد فتح الباب امام بكين لتكون لاعبا رئيسيا في المنطقة. وبينت المؤشرات ان جذب الشركات الصينية للاستثمار المباشر داخل هذه الدول بات خيارا استراتيجيا لتخفيف تداعيات ما يسمى بصدمة الصين الثانية. واضافت التقارير ان دول مجموعة فيشغراد تسعى للاستفادة من الخبرات الصينية في مجالات السيارات الكهربائية والتقنيات المتقدمة بدلا من الاكتفاء بدور المستهلك للمنتجات القادمة من الشرق.
وكشفت المجر عن ريادتها في هذا المسار عبر جذب استثمارات ضخمة بمليارات اليورو لتصبح بوابة رئيسية للشركات الصينية نحو السوق الاوروبية. واوضحت سلوفاكيا ايضا انها تسير على خطى مماثلة من خلال استقطاب مصانع عملاقة للبطاريات والسيارات الكهربائية باستثمارات تتجاوز المليار دولار. وشددت التشيك على انفتاحها المتزايد تجاه رؤوس الاموال الصينية في خطوة تهدف لتعزيز قاعدتها الصناعية المحلية.
تراجع الدور الالماني في المنطقة
واظهرت الدراسات ان النموذج الصناعي الذي قادته المانيا منذ التسعينيات بدأ يفقد بريقه مع ارتفاع تكاليف الطاقة والعمالة. واضافت النتائج ان الشركات الالمانية نفسها بدات تفكر جديا في نقل انشطتها الانتاجية نحو مناطق اكثر كفاءة في وسط وشرق اوروبا. وبينت المسوحات ان نسبة كبيرة من الشركات الالمانية تخطط للاستثمار في هذه الدول لضمان استمرارية سلاسل التوريد الخاصة بها. واكد المحللون ان هذا الوضع يمنح دول المنطقة فرصة ذهبية للاستفادة من مسارين متوازيين وهما جذب الاستثمارات الصينية واستقبال المصانع الالمانية النازحة.
وتتبنى بولندا موقفا يتسم بالحذر والتحفظ مقارنة بجاراتها حيث اتخذت اجراءات تقييدية في قطاعات حساسة. واضافت التحليلات ان فصل الاقتصاد البولندي عن المدخلات التكنولوجية الصينية اصبح امرا معقدا للغاية نظرا لتغلغل المكونات الصينية في سلاسل الانتاج الاوروبية. واكدت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان القيمة المضافة الصينية في الصادرات الصناعية لهذه الدول تجاوزت المتوسط العام في اوروبا.
مستقبل العلاقات الاقتصادية
واوضحت التقارير ان سعي بكين لايجاد قواعد انتاجية داخل الاتحاد الاوروبي يتزامن مع محاولات بروكسل فرض قيود تجارية جديدة. واضافت ان دول وسط اوروبا تجد نفسها امام فرصة للحصول على تكنولوجيا متطورة ووظائف جديدة رغم المخاطر المرتبطة بالتوترات التجارية بين القوى الكبرى. وبينت التوقعات ان هذا التحول الهيكلي يمثل واقعا جديدا حيث لم تعد المانيا قادرة بمفردها على دعم النمو في المنطقة كما كان الحال في العقود الماضية.
