تخوض الصحفيات في قطاع غزة معركة مزدوجة تجمع بين نقل الحقيقة تحت نيران الحرب وبين محاولات الصمود الشخصي في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد، حيث لم يعد العمل الصحفي مجرد مهنة بل صار رسالة وجود تفرض عليهن مواجهة الموت وجها لوجه في كل لحظة تغطية ميدانية، وتكشف الشهادات الحية كيف تحولت الكلمة إلى سلاح وحيد في يد نساء فقدن الكثير من أحبائهن وأمتعتهن لكنهن رفضن التخلي عن دورهن في توثيق وجع القطاع.
وقالت الصحفية هند الخضري إن شعورها بتهديد الموت المباشر لم يفارقها منذ بدء الحرب، موضحة أن وجود الصحفيات في الميدان يضفي طابعا مختلفا على التغطية الصحفية لقدرتهن الفريدة على محاورة النساء ونقل تفاصيل المعاناة الإنسانية بأسلوب أكثر عمقا وتأثيرا، واضافت أن الحرب لم تمنحها فرصة لاستيعاب الصدمات المتتالية، مشددة على أن المسؤولية الأخلاقية تجاه الناس الذين يطالبونها بنقل أصواتهم هي المحرك الأساسي لاستمرارها رغم فقدانها كل ممتلكاتها الشخصية.
التحديات اليومية للصحفيات في غزة
وبينت الخضري أن العمل الميداني للمرأة في غزة يواجه تحديات مضاعفة بسبب انعدام الخصوصية وتدمير البنية التحتية، مؤكدة أن الظهور أمام الكاميرا يتطلب ثباتا انفعاليا كبيرا لإخفاء ألم المشاهد المؤلمة ورائحة الشهداء التي لا تفارق المكان، واكدت أن قرارها بالبقاء في غزة وتغطية الأحداث كلفها حياتها الزوجية، لكنها آثرت المضي قدما في طريقها المهني إيمانا منها بأن صوتها هو جسر الحقيقة الوحيد للعالم.
واستذكرت الصحفية مرام حميد صعوبة التوفيق بين كونها أما لطفلين وبين متطلبات العمل الصحفي تحت القصف، موضحة أنها اضطرت للتنقل مشيا على الأقدام في ظروف قاسية مع انقطاع الإنترنت وغياب وسائل النقل، واضافت أن اللحظات التي تفقد فيها الأمل تدفعها للنهوض مجددا بفعل صوت داخلي يرفض الاستسلام، مبينة أن فقدانها لوالدتها خلال الحرب دون التمكن من إقامة مراسم عزاء حقيقية كان جرحا غائرا لم يلتئم بعد في ظل استمرار دوامة النزوح والدمار.
بين الأمومة والعمل الصحفي الشاق
وشددت حميد على أن الصحفيين في غزة يعيشون حالة من الاستهداف المستمر، مشيرة إلى أن استشهاد الزميلة مريم ابو دقة كان صدمة قاسية لكل العاملين في القطاع، واكدت أن استمرار الصحفيات في العمل رغم كل هذه الضغوط يعكس إرادة صلبة لا تلين، موضحة أن غياب الإجازات والراحة يجعل من الصعب التخطيط للمستقبل في ظل واقع لا يرحم ولا يتوقف عن إنتاج المآسي.
وكشفت يسرى العكلوك، وهي زوجة شهيد وأم لثلاثة أطفال، أن اختيارها للعمل الصحفي جاء كإيمان برسالة إنسانية نبيلة، مبينة أنها حرصت على حماية مشاعر أطفالها من قسوة المشاهد الميدانية رغم صعوبة الوضع في منطقة الرمال التي شهدت أعنف عمليات الاستهداف، واضافت أنها فضلت التركيز على القصص الإنسانية بعيدا عن التغطية المباشرة للجثث والجرحى للحفاظ على توازنها النفسي وقدرتها على الاستمرار في رعاية أطفالها وتوفير احتياجاتهم وسط ظروف المجاعة والندرة.
فاتورة الدم في صفوف الإعلاميين
وبينت العكلوك أن التغطية الصحفية في الشمال تطلبت منها المشي لساعات طويلة لإيصال صوت المواطنين، مؤكدة أن كل يوم يمضي في غزة هو محاولة جديدة للنجاة، واكدت أن التضحيات التي قدمها الجسم الصحفي في غزة لا يمكن وصفها بكلمات، حيث فقد القطاع مئات الإعلاميين الذين دفعوا حياتهم ثمنا لنقل الصورة.
واظهرت تقارير نقابة الصحفيين الفلسطينيين أن فاتورة الحرب طالت 265 صحفيا وصحفية استشهدوا أثناء أدائهم لعملهم، موضحة أن من بين هؤلاء 27 صحفية، بالإضافة إلى إصابة المئات واعتقال العشرات، مما يجعل من الصحافة في غزة مهنة الموت المحقق التي يصر أصحابها على ممارستها بكل شجاعة.
