يواجه الشباب في قطاع غزة تحديات وجودية قاسية تمنعهم من اتمام مراسم الزواج التقليدية في ظل ظروف الحرب المستمرة التي دمرت مقومات الحياة. ويجد الاف الشبان انفسهم عاجزين عن توفير ابسط الاحتياجات المنزلية او دفع المهور في ظل انعدام فرص العمل وتلاشي الدخل اليومي. واظهرت المشاهد الميدانية في شمال القطاع كيف يحاول الازواج الجدد التكيف مع الواقع عبر السكن في بقايا منازل مدمرة او خيام بسيطة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء.

واكد الشاب سامح عليان الذي يعمل حاليا في بيع المثلجات لتوفير قوت يومه بعد زفافه ان تكاليف الزواج اصبحت عبئا لا يطاق. واضاف ان الديون تراكمت عليه بشكل كبير حيث تجاوزت نفقات زفافه عشرة الاف دولار وهي مبالغ جمعها بصعوبة بالغة من ذويه. واوضح ان فقدان السوق للاخشاب ومنع دخول البضائع جعل من شراء غرفة نوم امرا مستحيلا مما اضطره للاكتفاء بفرش ارضي بسيط داخل منزله الذي تعرض لدمار جزئي بسبب الهجمات العسكرية.

وبينت الارقام الصادرة عن جهات رسمية ان معدلات البطالة في غزة وصلت الى مستويات كارثية تتجاوز 78 بالمئة مما يعني ان الغالبية العظمى من الشباب فقدوا مصادر رزقهم الدائمة. واشار مراقبون الى ان القوة الشرائية للدولار تراجعت بشكل حاد حيث اصبحت الـ 100 دولار تعادل في قيمتها الشرائية نحو 33 دولارا فقط مقارنة بما قبل الحرب. وشدد هؤلاء على ان استمرار هذه الاوضاع يهدد النسيج الاجتماعي ويجعل من تكوين اسرة حلما بعيد المنال.

واقع معيشي خانق وتكاليف باهظة

وكشفت بيانات وزارة التنمية الاجتماعية ان تكلفة وجبة طعام واحدة لعائلة صغيرة اصبحت تكلف قرابة 40 دولارا وهو رقم يفوق قدرة معظم الاسر التي تعيش تحت خط الفقر المدقع. واضافت الوزارة ان الانهيار في الانشطة الاقتصادية جعل توفير الاحتياجات الاساسية امرا مستحيلا لاكثر من 95 بالمئة من سكان القطاع. واكدت التقارير ان غلاء الاسعار الجنوني يلتهم ما تبقى من مدخرات العائلات الغزية.

وذكر الشاب خميس بكر الذي يعمل في قطاع الصيد ان دخله الشهري الذي لا يتجاوز 300 دولار لا يكفي لتغطية نفقات الطعام لعدة ايام ناهيك عن التفكير في استئجار شقة سكنية تتراوح كلفتها بين 500 و700 دولار. واوضح ان التفكير في الزواج وسط هذه الظروف يضعه امام ضغوط نفسية واجتماعية هائلة. وبين ان محاولات الادخار اصبحت ضربا من الخيال في ظل التضخم الذي يشهده السوق المحلي.

واكد بكر ان الكثير من الشباب اضطروا الى الغاء مظاهر الفرح والاكتفاء بعقود القران دون حفلات او تجهيزات باهظة. واضاف ان الحلول المتاحة حاليا تكاد تكون معدومة في ظل غياب الدعم المؤسسي وتوقف عجلة الانتاج. واشار الى ان طموح الشباب اليوم لم يعد بناء بيت الزوجية المثالي بل مجرد الحصول على مأوى آمن يجمعهم بشريكات حياتهم بعيدا عن العراء.

ازمة سكن خانقة وتطلعات مفقودة

وكشفت الاحصائيات الصادرة عن القضاء الشرعي عن تسجيل عشرات الالاف من عقود الزواج خلال فترة الحرب مما يعكس اصرار الشباب على الحياة رغم الموت والدمار المحيط بهم. واضافت المصادر ان هذه الزيجات تتم في ظروف استثنائية وبأقل التكاليف الممكنة لمواجهة الواقع المرير. واوضحت ان الحاجة الى الاستقرار النفسي والاجتماعي تدفع الكثيرين للمخاطرة بالزواج رغم انعدام الامكانيات المالية.

واكد خبراء الاقتصاد ان الحل يكمن في تدخل عاجل من المؤسسات الدولية والمحلية لتوفير مشاريع تشغيلية ومساعدات عينية للمقبلين على الزواج. واضافوا ان الاعتماد على المبادرات الفردية لم يعد كافيا لانتشال الشباب من واقعهم المأساوي. وبينوا ان توفير وحدات سكنية مؤقتة او دعم الايجارات قد يخفف جزءا بسيطا من معاناة الازواج الجدد.

واختتم الشباب حديثهم بمطالبة المجتمع الدولي بضرورة الالتفات الى معاناتهم وتوفير بيئة تسمح لهم بالعيش بكرامة. واكدوا انهم لا يطلبون حياة الرفاهية بل يسعون فقط لتأمين ابسط مقومات البقاء والاستقرار. واضافوا ان صمودهم في هذه الظروف هو رسالة تحدي لكل من يحاول كسر ارادتهم في بناء مستقبلهم وسط ركام الحرب.