كشفت شهادات حية أدلى بها ضباط وجنود في جيش الاحتلال عن وجود تعاون وثيق بين المؤسسة العسكرية الاسرائيلية وميليشيات فلسطينية مسلحة تنشط داخل قطاع غزة، حيث تتلقى هذه المجموعات دعما لوجستيا وعسكريا مباشرا لتنفيذ عمليات ميدانية تتضمن انتهاكات واسعة بحق المدنيين. وتظهر المعطيات الميدانية أن هذه التشكيلات تقوم بعمليات نهب للممتلكات الخاصة واقتحام للمنازل واضرام النيران فيها، وسط توجيهات عسكرية بحماية هذه العناصر أثناء تحركاتها لضمان عدم تعرضها لأي أذى خلال تنفيذ مهامها.

واضافت التحقيقات التي نشرتها صحيفة هآرتس أن هناك ما لا يقل عن خمس ميليشيات مسلحة تعمل في ستة مواقع استراتيجية داخل القطاع، حيث يتم توظيفها كأذرع تنفيذية تابعة لجهاز الامن العام الشاباك والجيش الاسرائيلي. وبينت الشهادات أن العلاقة بين الطرفين تتجاوز مجرد التنسيق، لتصل إلى مستوى الشراكة في ادارة الفوضى الميدانية، مستغلة العداء القائم مع حركة حماس لتبرير هذه الممارسات التي تستهدف بالأساس السكان الباحثين عن النجاة وسط ظروف الحرب القاسية.

واكد الضباط الذين وثقوا هذه الانتهاكات أن الميليشيات لا تكتفي بملاحقة المسلحين، بل تعمل كأداة قمع ضد المدنيين، مشيرين إلى أن القوات الاسرائيلية تمنح هؤلاء المسلحين غطاء جويا وبريا لتسهيل عمليات الطرد القسري للسكان من منازلهم، مما يعكس استراتيجية ممنهجة لزعزعة الاستقرار الاجتماعي في المناطق التي تسيطر عليها قوات الاحتلال.

تنسيق ميداني عميق

واظهرت خرائط الاقمار الصناعية ومحادثات ميدانية مع سكان محليين وجود تنسيق عميق للغاية يربط بين هذه الجماعات والقيادات العسكرية، حيث تتحرك الميليشيات بحرية داخل المواقع العسكرية الاسرائيلية المنتشرة في غزة. واشار ضابط في سلاح الجو إلى أنه شاهد بنفسه من خلال طائرات الاستطلاع كيف تصل شاحنات تشبه مركبات المقاومة لتنفيذ عمليات اقتحام ونهب ممنهجة للمنازل، وهي عمليات تتم تحت أعين القوات الاسرائيلية وبمباركة تامة منها.

واوضح الشهود أن المسلحين يتجولون بحرية تامة بين القواعد العسكرية، مما يؤكد دمجهم الكامل في الهيكل الأمني الذي تديره اسرائيل داخل القطاع. واضافت التقارير أن هذه الميليشيات تعتمد في وجودها وبقائها على الدعم الاسرائيلي المستمر، حيث يقر القادة العسكريون أن هذه الجماعات لا تملك أي قدرة ذاتية على الصمود أو المواجهة دون الحماية المباشرة التي يوفرها الجيش.

واكدت المصادر أن هذا المشروع لا يزال في مرحلة التوسع رغم مقتل بعض قيادات الميليشيات في ظروف غامضة، حيث تسعى اسرائيل إلى خلق بدائل محلية هشة تخدم مصالحها الامنية على الارض. وبينت المعطيات أن هذه المجموعات استُخدمت في السابق في مهام تفتيش المواطنين عند المعابر، وهو ما يعكس محاولة اسرائيلية لفرض واقع جديد يعتمد على وكلاء محليين بدلا من التواجد المباشر الدائم.

مستقبل التشكيلات المسلحة

واضافت المعطيات أن مقتل قادة ميدانيين مثل ياسر ابو شباب لم ينهِ المشروع، بل دفع المؤسسة الامنية لتطوير آليات عمل جديدة لضمان استمرار نفوذ هذه الميليشيات. وشدد المحللون على أن هذه التشكيلات تظل مجرد أدوات مؤقتة تفتقر للحاضنة الشعبية، مما يجعل بقاءها مرهونا بمدى استمرار الدعم العسكري والمالي الذي تقدمه تل أبيب لضمان عدم انهيارها أمام الضغوط الميدانية.

وبينت التحقيقات أن استراتيجية اسرائيل في غزة باتت تعتمد بشكل متزايد على هذه الجماعات لتعقيد المشهد الداخلي، خاصة في المناطق الجنوبية، حيث يتم استغلال الفراغ الامني لتعزيز نفوذ المسلحين الموالين للاحتلال. واكدت التقارير في ختامها أن هذه السياسة تساهم في تفاقم الازمات الانسانية وتزيد من معاناة الغزيين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بين نيران الاحتلال وعنف الميليشيات المدعومة منه.