تشهد الشوارع التونسية في الاونة الاخيرة مشهدا متكررا يعكس ازمة حقيقية، حيث تصطف السيارات وتتجمع الحشود امام محلات بيع المياه بالجملة في محاولة يائسة للحصول على قوارير المياه المعدنية. واصبح الحصول على هذه السلعة الاساسية اشبه برحلة بحث يومية شاقة، بعد ان اختفت من رفوف المتاجر والمساحات التجارية الكبرى، مما حول حياة المواطنين الى حالة من الترقب والانتظار امام شاحنات التوزيع.

واكد عدد من المواطنين انهم يترددون يوميا على المحلات دون جدوى، مما دفعهم للجوء الى نقاط التوزيع المباشرة، معتبرين ان مياه الحنفية لم تعد صالحة للشرب، وهو ما زاد من الضغط على الموزعين الذين وجدوا انفسهم في مواجهة مباشرة مع غضب الزبائن، بينما تدخلت السلطات الامنية في بعض الحالات لضبط الوضع وتنظيم عمليات البيع المحدودة.

واوضح اصحاب محلات تجارية ان البضائع التي تصلهم تكون محجوزة مسبقا لصالح تجار اخرين او التزامات سابقة، مما يمنعهم من بيعها للمستهلكين مباشرة، مبينا ان المشكلة ليست في توفر السلعة فحسب بل في سلسلة التوريد التي تعاني من اختلالات عميقة تمتد من المصنع وصولا الى المستهلك النهائي.

ازمة العطش في صيف تونس

وتتزامن هذه الازمة مع موجة حرارة قياسية تضرب البلاد، مما ادى الى قفزة غير مسبوقة في الطلب على المياه المعبأة، واشار رئيس الغرفة الوطنية لمنتجي المشروبات غير الكحولية الى ان هذا الطلب الاستثنائي ترافق مع انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي، مما تسبب في اعطاب فنية داخل وحدات الانتاج وعطل خطوط التصنيع بشكل كامل.

واضاف ان اعادة تشغيل هذه الوحدات تتطلب عمليات صيانة وتوفير قطع غيار، وهو ما ادى الى استنزاف المخزون الاستراتيجي الذي كانت الشركات تعول عليه لمواجهة ذروة الاستهلاك الصيفي، مبينا ان التحديات التقنية ضاعفت من صعوبة الموقف ومنعت المصانع من الحفاظ على وتيرة انتاج مستقرة.

وكشفت الارقام الرسمية ان متوسط استهلاك الفرد التونسي للمياه المعبأة قد ارتفع بشكل ملحوظ في السنوات الاخيرة، حيث اصبح التونسيون يحتلون مرتبة متقدمة عالميا في هذا الاستهلاك، مما يعكس تحول المياه المعبأة من سلعة ثانوية الى حاجة يومية اساسية لا يمكن الاستغناء عنها بسبب تدهور جودة مياه الشبكة العمومية وارتفاع ملوحتها.

اختلال منظومة التخزين والتمويل

ويرى خبراء في ادارة المخازن ان الازمة ناتجة ايضا عن تآكل مخزونات الامان التي كان يعتمد عليها التجار قبل دخول فصل الصيف، واشاروا الى ان التعديلات التشريعية الاخيرة في منظومة الشيكات قد اربكت التعاملات المالية بين المصانع وتجار الجملة، مما قلص من القدرة على تمويل المخزون المسبق الذي يحمي السوق من تقلبات الطلب.

واكدت المصادر ان التخوف من تصنيف التخزين المسبق كشبهة احتكار ومضاربة جعل التجار يمتنعون عن بناء مخزونات كافية، خوفا من الملاحقات القانونية والتشدد الرقابي، مما ادى الى فقدان التوازن في السوق عند اول موجة حر، مبينا ان الحل يتطلب اعادة النظر في آليات التمويل وتسهيل حركة السلع.

وبين المتحدثون ان الازمة الحالية ليست نقصا في الموارد المائية بقدر ما هي ارتباك في سلاسل التوزيع والتمويل، وهو ما جعل السوق عاجزة عن امتصاص الصدمات المفاجئة في الطلب، مما يتطلب حلولا جذرية تضمن انسيابية السلع وتوازنها في مختلف جهات البلاد.

تدخل الدولة لضبط الاسواق

ودخلت وزارة التجارة وتنمية الصادرات على خط الازمة عبر اصدار قرارات صارمة، حيث تم تحديد هوامش ربح قصوى لتجار الجملة والتقسيط بـ15% لكل منهما، بهدف كبح جماح الاسعار ومنع التلاعب بلقمة عيش المواطن وتوفير المياه بأسعارها القانونية.

وشددت الوزارة على ضرورة العمل ضمن مسالك توزيع منظمة وتسوية الوضع الضريبي لجميع المتعاملين، مع فرض واجبات الفوترة وتقديمها لفرق المراقبة بشكل فوري، واكدت ان الحملات الميدانية بالتنسيق مع الامن اسفرت عن حجز آلاف اللترات من المياه التي كانت موجهة للمضاربة.

واوضحت الوزارة انها ماضية في اتخاذ اجراءات ردعية ضد كل من يمارس البيع المشروط او يحتكر البضائع، داعية المواطنين الى التبليغ عن اي تجاوزات، بينما تظل التساؤلات مطروحة حول مدى قدرة السوق على استعادة توازنها وتأمين احتياجات المواطنين في ظل التحديات المناخية والاقتصادية الراهنة.