تتخذ الهند موقفا يتسم بالحذر الشديد في علاقاتها التجارية مع ايران تحت وطأة الضغوط الامريكية المتصاعدة. حيث ترفض نيودلهي الانصياع الكلي للقيود التي تفرضها واشنطن بينما تتجنب في الوقت ذاته الدخول في مواجهة مباشرة قد تضر بمصالحها الاقتصادية الحيوية. وتكشف التحركات الاخيرة لشركات الطاقة الهندية عن محاولة للالتفاف على المخاطر عبر تجنب ناقلات النفط المدرجة على القوائم السوداء الايرانية لضمان سلامة تجارتها من التعرض للمصادرة او الاحتجاز.
واضافت تقارير اقتصادية ان المصافي الهندية تعمل على تقليص التعامل مع السفن الايرانية ليس تنفيذا للعقوبات الامريكية فحسب بل كإجراء امني وقائي لحماية اصولها. وبينت هذه التحركات ان المأزق الهندي يكمن في ضرورة الالتزام بقواعد طهران لضمان عبور السفن في مضيق هرمز مع محاولة عدم خرق التحذيرات الامريكية التي تهدد الشركات بعقوبات مالية قاسية قد تقطع صلتها بالنظام المالي العالمي.
واكد خبراء في قطاع الشحن ان منطق تقليص المخاطر اصبح هو المحرك الاساسي للشركات الهندية بدلا من الاعتبارات السياسية البحتة. وشدد هؤلاء على ان تعقيدات فحص مسارات الشحنات وهوية الوسطاء اصبحت تشكل عبئا اضافيا يثقل كاهل المصفاة ومالك السفينة وشركات التامين.
تداعيات العقوبات الامريكية على نيودلهي
وكشفت وزارة الخزانة الامريكية مؤخرا عن توسيع نطاق عقوباتها الثانوية لتشمل قطاعات الشحن والطيران والتكنولوجيا والاصول الرقمية. واوضحت ان هذه الخطوة لم تعد مجرد تهديد نظري بل امتدت لتطال اربع شركات هندية وثلاثة مواطنين هنود ادرجتهم واشنطن على قوائم العقوبات بتهمة الارتباط بتجارة منتجات نفطية وبتروكيميائية ايرانية.
واوضحت البيانات الرسمية ان الهند لم تعد قادرة على تجاهل هذه الضغوط المتزايدة. وبينت ان هذه الاجراءات تفرض على نيودلهي اعادة تقييم علاقاتها التجارية مع طهران في ظل التهديدات الامريكية بمعاقبة اي جهة تخالف التعليمات الصادرة عن مكتب مراقبة الاصول الاجنبية.
واشار محللون الى ان التهديد الامريكي يضع الشركات الهندية امام خيار وحيد وهو الامتثال التام لتجنب العزلة المالية. واضافت المصادر ان هذه الضغوط تهدف في جوهرها الى خنق العوائد المالية الايرانية عبر تضييق الخناق على اي شريان تجاري يربطها بالاسواق الدولية.
استراتيجية التنويع والبحث عن بدائل
وكشفت الحكومة الهندية عن خطط استراتيجية لتنويع مصادر الطاقة بعد ان اصبح الاعتماد على المسارات التقليدية عبر هرمز يشكل مخاطرة كبيرة. واوضحت ان واردات النفط باتت تأتي من اكثر من اربعين دولة مع زيادة الاعتماد على الخام الروسي والفنزويلي لتعويض النقص في الامدادات القادمة من المنطقة.
واضافت التقارير ان الهند نجحت في رفع حصة استيرادها من امريكا اللاتينية وافريقيا لتقليل الارتهان لتقلبات المضيق. وبينت ان هذه العملية رغم جدواها في تأمين الطاقة الا انها ترفع من فاتورة الشحن والتامين بشكل ملحوظ مما يضغط على ميزانية الدولة.
واكدت وزارة التجارة الهندية ان خيارات الدفع بالروبية او المقايضة لم تعد فعالة كما كانت في السابق بسبب توقف استيراد النفط الذي كان يوفر السيولة اللازمة لتمويل الصادرات الهندية الى طهران. واوضحت ان التجار باتوا يبحثون عن قنوات دفع بديلة عبر دول وسيطة رغم صعوبة وتعقيد هذه الاجراءات.
الاثار الاقتصادية على المدى البعيد
وبينت الدراسات الاقتصادية ان الضرر التجاري المباشر قد يبدو محدودا بالمقارنة مع حجم الاقتصاد الهندي الضخم لكنه يتركز بشكل مؤلم في قطاعات محددة. واضافت ان مزارعي ومصدري الارز البسمتي والشاي هم الاكثر تضررا من هذه التوترات بسبب تأخر المدفوعات وارتفاع تكاليف اللوجستيات.
واكدت بيانات حكومية ان ارتفاع اسعار النفط الناجم عن اضطراب الامدادات يؤثر بشكل مباشر على معدلات التضخم وعجز الحساب الجاري في الهند. واوضحت ان كل زيادة بنسبة عشرة بالمئة في اسعار الطاقة تقتطع جزءا ملموسا من نمو الاقتصاد الهندي مما يجعل الحكومة في حالة استنفار دائم لحماية المستهلك والصناعة المحلية.
واختتمت التقارير بان الهند ستواصل سياستها القائمة على التوازن الدقيق بين حماية مصالحها الاستراتيجية في ميناء تشابهار وبين الحفاظ على علاقاتها التجارية القوية مع واشنطن. وبينت ان نيودلهي ستظل تبحث عن مساحات للمناورة القانونية لضمان استمرار تدفق السلع الانسانية دون الاصطدام المباشر مع العقوبات الامريكية.
