تخوض الصين سباقا محموما ومكثفا نحو صدارة عالم الروبوتات البشرية حيث تسعى بكين لتحويل هذه الالات الى ركيزة اساسية تعيد صياغة اقتصادها وسوق العمل لديها خلال العقد المقبل. ومع ذلك تشير المعطيات الحالية الى وجود فجوة عميقة بين الطموحات الرسمية والقدرات الفعلية لهذه الروبوتات التي لا تزال تعاني من محدودية في الاداء خارج نطاق العروض الاستعراضية والمهام الروتينية البسيطة. واضاف خبراء ان مراكز التدريب الصينية تنفق ملايين الدولارات لتعليم الالات كيفية القيام بمهام مثل فرز الصناديق واعداد القهوة لكن النتائج تظل بطيئة ولا ترقى لمستوى التوقعات العملية المطلوبة.
وبينت الملاحظات الميدانية في مراكز التدريب بمدينة ليوتشو ان تدريب روبوت واحد على حركة بسيطة قد يتطلب مئات المحاولات الفاشلة قبل الوصول لنتيجة مقبولة. واكد تقرير متخصص ان هذه الالات تفتقر الى المرونة اللازمة للتكيف مع البيئات المتغيرة مثل تبدل الاضاءة او زوايا الرؤية مما يضع الصين امام معضلة العقل الاصطناعي الذي يمنح الالة القدرة على التصرف بذكاء بشري. واوضح تانغ وينبين المؤسس المشارك لشركة يوانلي لينغجي ان معدل ذكاء الروبوتات الحالية منخفض للغاية واصفا اغلب ما يتم عرضه في المحافل العامة بانه مجرد رقص مقنع لا يمت بصلة للعمل المنتج.
تضخم الصناعة ومخاطر الدعم الحكومي
وكشفت الارقام عن وجود اكثر من 150 شركة متخصصة في صناعة الروبوتات البشرية داخل الصين وهو رقم يتجاوز عدد العلامات التجارية للسيارات الكهربائية في البلاد. واشار بنك اوف اميركا الى ان الشركات الصينية استحوذت على حصة الاسد من الشحنات العالمية العام الماضي بنسبة بلغت 95 بالمئة من اجمالي السوق. واكدت التوقعات ان الصين تستهدف انتاج 100 الف روبوت خلال الفترة الحالية بينما يترقب العالم وصول الشحنات السنوية الى ارقام مليونية بحلول العقد القادم.
واضافت البيانات الرسمية ان الانفاق الحكومي على قطاع الروبوتات شهد قفزة هائلة حيث تم ضخ اكثر من 230 مليون دولار خلال النصف الاول من العام الحالي لدعم هذا القطاع. واوضحت تقارير المشتريات ان الاستثمارات تركزت في دعم مشاريع البنية التحتية وصيانة الشبكات عبر الروبوتات المتطورة والكلاب الالية. وشدد محللون على ان هذا التوسع يعتمد بشكل رئيسي على الدعم المالي الحكومي بدلا من الطلب الطبيعي للشركات التي تبحث عن جدوى اقتصادية حقيقية.
وتابعت السلطات في مدن مثل شنتشن خططها الطموحة لانشاء مجمعات صناعية عملاقة تضم مئات الشركات لتعزيز التنافسية. واكد المراقبون ان النموذج الصيني يتبع استراتيجية مألوفة استخدمت سابقا في قطاع السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية عبر اغراق السوق بالدعم والإنتاج الكثيف لتقليل التكاليف على المدى الطويل. وبينت الباحثة ليزي لي ان الهدر في هذه المرحلة يعتبر جزءا من الية اكتشاف الشركات الاقوى رغم التحذيرات من صعوبة تفكيك فائض الطاقة الانتاجية في حال فشل السوق.
تحديات الذكاء الفيزيائي والجدوى الاقتصادية
واوضحت التجارب في المصانع الكبرى مثل مصنع شاومي للسيارات ان الروبوتات التقليدية لا تزال تتفوق بمراحل على الروبوتات البشرية في الكفاءة وسرعة الانجاز. واكدت شركات مثل جيلي ان المهام الرئيسية في خطوط الانتاج تعتمد على الاذرع الالية الثابتة لضمان الموثوقية العالية. واضاف خبراء ان الاستخدام الامثل للروبوتات البشرية حاليا يقتصر على المهام الخطرة جدا او البيئات المنظمة للغاية بعيدا عن الانشطة التي تتطلب حدسا انسانيا.
وكشفت التقديرات القطاعية ان التحدي الاكبر يكمن في ندرة بيانات التدريب حيث تحتاج الصناعة الى ملايين الساعات من التدريب للوصول الى مستوى ذكاء فيزيائي حقيقي. واظهرت الدراسات ان النماذج الحالية للرؤية واللغة والحركة لا تزال في مراحلها الاولى مقارنة بنماذج الذكاء الاصطناعي النصي. واكدت الشركات العاملة في المجال ان كل وحدة يتم انتاجها اليوم تساهم في بناء قاعدة بيانات ضخمة ستكون هي المفتاح الحقيقي لتطوير ذكاء الروبوتات في المستقبل.
وختم محللون بان رهان الصين ليس موجها نحو الربح السريع بل نحو السيطرة الاستراتيجية على سلاسل توريد المستقبل. واضافوا ان السوق قد يشهد عمليات دمج واسعة خلال السنوات القادمة لاقصاء الشركات الضعيفة والابقاء على الكيانات القوية. وبينت التوجهات ان الصين ستخرج مستفيدة في كل الاحوال لانها ستكون قد طورت بنية تحتية وخبرات تصنيعية يصعب على المنافسين الاخرين مجاراتها حتى لو انهارت بعض الفقاعات المالية في الطريق نحو الابتكار الكامل.
