يسعى بيل غيتس المؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت الى تغيير مسار النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي من مجرد سباق نحو الهيمنة التقنية الى ضرورة ملحة لوضع ضوابط تمنع تحول هذه التكنولوجيا الى تهديد وجودي على الصعيد الامني والاقتصادي والاجتماعي. وكشف غيتس عن خططه للترتيب للقاء مرتقب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ بهدف بناء تفاهم مشترك بين القوتين العظميين يضمن تقييد النماذج الذكية ذات القدرات الخطرة. واظهر غيتس قناعة تامة بان الصين قد تبدي مرونة وتوافق على هذه القيود في حال اتخذت الولايات المتحدة المبادرة الاولى لضمان عدم تحول السلامة التقنية الى نقطة ضعف في المنافسة الاستراتيجية بين البلدين.

واكد غيتس خلال حديثه ان التحدي الحقيقي يكمن في القدرات البيولوجية للذكاء الاصطناعي حيث دعا الحكومات الى ضرورة مراقبة قدرة هذه النماذج على ابتكار جزيئات جديدة قد تستخدم في تنفيذ هجمات بيولوجية خطيرة. واضاف ان اختبار هذه المخاطر يمكن القيام به دون عرقلة مسيرة الابتكار التقني الطبيعي. وبين ان العالم بات بحاجة ماسة الى قواعد مشتركة تمنع تحول التكنولوجيا الى مصدر للتهديد السيبراني او البيولوجي.

من الابتكار الى الخطر النظامي

وكشفت تصريحات غيتس عن تحول جذري في رؤيته للذكاء الاصطناعي بعد ان كان اكثر تفاؤلا في بداية العام حيث بات الان يشعر بقلق عميق من قدرة الانظمة المتقدمة على تنفيذ هجمات الكترونية معقدة وإزاحة العمالة البشرية. واشار الى تجارب امنية صادمة لاختراق مواقع حقيقية اجرتها انظمة طورتها شركات كبرى مثل اوبن اي اي وانثروبيك وميتا خلال تقييمات معزولة. واوضح ان الذكاء الاصطناعي يختلف عن كل موجات التكنولوجيا السابقة نظرا لتاثيراته العميقة التي تتجاوز احتكار الاسواق الى تهديد الاستقرار الاجتماعي والامن الوطني.

واكد غيتس على ضرورة تأسيس منظمة دولية جديدة لادارة الذكاء الاصطناعي على غرار انظمة التفتيش النووي وقواعد الطيران المدني الدولية لضمان تبادل المعلومات ووضع معايير للاختبارات الصارمة. واضاف ان الفكرة لا تهدف الى خلق حكومة عالمية بقدر ما تسعى لبناء اطر تنظيمية للتعامل مع النماذج التي تتجاوز مستويات معينة من الخطورة. وشدد على ان العالم بحاجة الى آليات تمنع انزلاق التكنولوجيا نحو سيناريوهات خارجة عن السيطرة.

تحدي سوق العمل والوظائف

واوضح غيتس ان الاثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي يمثل معضلة حقيقية خاصة فيما يتعلق بسوق العمل حيث قد ترفع هذه التقنية الانتاجية بشكل هائل لكنها في المقابل تهدد بتقليص الحاجة الى البشر في مهن كثيرة. واضاف ان فرض ضرائب على الشركات التي تستخدم مخرجات الذكاء الاصطناعي كبديل عن العمل البشري قد يكون حلا لتمويل شبكات الحماية الاجتماعية. وبين ان هذا المقترح يمثل نسخة محدثة من نقاش ضريبة الروبوتات القديم في ظل المخاوف من اتساع الفجوة وعدم المساواة الاجتماعية.

واكد غيتس ضرورة الحفاظ على نسبة كبيرة من الوظائف البشرية التي تحمل قيمة انسانية يصعب تعويضها بالالة مشيرا الى ان تقييد الاتمتة بقوة قد يضعف التنافسية الاقتصادية لكن ترك السوق بلا ضوابط قد يؤدي الى اضطرابات اجتماعية واسعة. واضاف ان مؤسسته تخصص ميزانيات ضخمة لدعم استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاعات الصحة والتنمية. وبين ان التناقض يكمن في ان التكنولوجيا نفسها التي تحمل مخاطر امنية يمكن ان توفر حلولا طبية وتعليمية لملايين الاشخاص الذين يعانون من نقص الخدمات الاساسية.

الاختبار الحقيقي بين واشنطن وبكين

وكشفت الرؤية ان العقبة الكبرى تظل سياسية بامتياز حيث تنظر القوى الكبرى للذكاء الاصطناعي كاصول استراتيجية مرتبطة بالامن القومي والنفوذ العسكري. واضاف غيتس ان المنافسة الشرسة تجعل الحوار اكثر الحاحا لان التنظيم الوطني وحده لن يمنع التطوير عالي المخاطر الذي قد ينتقل الى مناطق اقل تشددا. واكد ان الهدف من لقائه مع الرئيس الصيني هو تحويل السباق من البحث عن الاسبقية الى الاتفاق على الخطوط الحمراء التي لا ينبغي لاي طرف تجاوزها.

واشار الى ان العالم انفق مبالغ غير مسبوقة لبناء اقتصاد الذكاء الاصطناعي لكنه فشل حتى الان في بناء المؤسسات اللازمة لادارة تداعياته. واضاف ان قفزة الانتاجية الموعودة قد تكون هائلة ولكن تكلفة الاضطراب في سوق العمل قد تفوق كل التوقعات اذا لم تكن المجتمعات قادرة على التكيف. وبين ان المسؤولية تقع على عاتق القادة لضمان عدم تحول هذه الثورة التقنية الى اداة لزيادة الفوارق الاقتصادية وتفاقم الضرر للفئات الاكثر ضعفا.