تشهد اروقة الاقتصاد الامريكي حالة من الانقسام غير المسبوق حول كيفية ادارة سوق السندات التي تعد العمود الفقري للتمويل العالمي. وتتصاعد التوترات بين وزارة الخزانة بقيادة سكوت بيسنت ومجلس الاحتياطي الفيدرالي برئاسة كيفين وارش حول بوصلة السياسة النقدية والمالية في وقت تعاني فيه الاسواق من ضغوط تكاليف الاقتراض المرتفعة. وتكشف التحركات الاخيرة لوزارة الخزانة عن رغبة ملحة في التدخل لتهدئة عوائد السندات طويلة الاجل عبر زيادة عمليات اعادة الشراء بشكل مكثف لضخ السيولة وتخفيف العبء عن السوق الضخم الذي تبلغ قيمته تريليونات الدولارات.
واضاف محللون ان هذه الخطوة تضع بيسنت في مواجهة مباشرة مع نهج الفيدرالي الذي يفضل ترك قوى السوق تحدد اسعار الفائدة بناء على البيانات الاقتصادية الحقيقية. واكد خبراء ان التضخم الذي لا يزال يحوم فوق مستهدف البنك المركزي يجعل من تدخل الخزانة امرا محفوفا بالمخاطر وقد يؤدي الى نتائج عكسية تماما مما يثير تساؤلات حول استقلالية القرارات الاقتصادية في واشنطن.
وبينت التقارير ان الاسواق تراقب بحذر شديد هذا التباين في الرؤى بين المسؤولين اللذين يجمعهما تاريخ مهني مشترك تحت مظلة ستانلي دراكنميلر. واشار مراقبون الى ان تضارب المصالح بين رغبة الخزانة في خفض تكاليف الاقتراض الحكومي وبين حرص الفيدرالي على كبح التضخم يخلق حالة من الضبابية لدى المستثمرين الكبار الذين يخشون من ان تصبح السياسة المالية اداة لخدمة الدين بدلا من تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
تضارب الاستراتيجيات بين الخزانة والفيدرالي
واوضح مسؤولو الاستثمار في كبرى المؤسسات المالية ان استراتيجية التدخل المباشر في سوق السندات قد توحي بوجود قلق حكومي عميق بشأن استدامة الدين الامريكي. وشدد غريغ بيترز على ان هذه الخطوة قد تعتبر ذاتية الهزيمة لانها تحاول فرض اسعار لا تعكس الواقع الاقتصادي المعقد. وكشفت ليزا شاليت ان محاولة التأثير على العوائد قد ترسل رسائل خاطئة للاسواق حول مدى قوة الاقتصاد وقدرة السلطات على التحكم في مساراته.
واكدت تحليلات ان الصدام بين بيسنت ووارش لا يقتصر على الادوات المالية بل يمتد ليشمل فلسفة ادارة المال في الولايات المتحدة. واضاف المتابعون ان وارش يحاول اقناع المستثمرين بالاعتماد على اشارات السوق بينما يصر بيسنت على ان الاسعار الحالية غير عادلة وتستوجب التدخل التصحيحي. وبدا واضحا ان هذا التناقض يضع الفيدرالي في موقف صعب عند محاولة تفسير توجهاته النقدية للمستثمرين الذين يجدون انفسهم امام بوصلتين متعاكستين.
وظهرت مخاوف جدية من ان تؤدي هذه المواجهة الى مفهوم الهيمنة المالية حيث يتم تطويع قرارات الفيدرالي لخدمة الاهداف السياسية للحكومة. واشار جيسون فورمان الى ان مثل هذه التحركات تهدد مصداقية البنك المركزي وتضعف قدرته على السيطرة على التضخم في ظل ضغوط سياسية متزايدة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
اختبار الاستقلالية في جاكسون هول
واظهرت التقديرات ان خطاب وارش المرتقب في جاكسون هول سيكون اختبارا حقيقيا لقدرة الفيدرالي على الصمود امام ضغوط الخزانة. واوضح المتابعون ان المستثمرين ينتظرون سماع رسالة واضحة تؤكد ان البنك المركزي لا يزال هو صاحب القرار الاول والاخير في السياسة النقدية. واضاف المراقبون ان السوق الذي تبلغ قيمته 32 تريليون دولار يحتاج الى ثقة اكبر في استقلالية المؤسسات بعيدا عن التجاذبات بين اجنحة الادارة الامريكية.
وبينت الاحداث ان معركة السندات اصبحت مرآة للصراع بين الرغبة في تمويل حكومي رخيص وبين الضرورة الاقتصادية لرفع الفائدة لمواجهة ارتفاع الاسعار. واكد المحللون ان النتيجة النهائية لهذا الصراع ستحدد ملامح الاقتصاد الامريكي في المرحلة القادمة. واضافوا ان استمرار هذا التباين قد يدفع الاسواق نحو مزيد من التقلبات اذا لم يتم التوصل الى تنسيق ينهي حالة التضارب الحالية.
وكشفت التطورات الاخيرة ان دراكنميلر نفسه ابدى تحفظات على خطة الخزانة واصفا اياها بالخطأ في ادارة الاسعار وليس السيولة. واكد الخبراء ان هذا الانتقاد يعزز وجهة النظر القائلة بان التدخل الحكومي يجب ان يكون محدودا لتجنب الاخلال بآليات السوق. واضافوا ان الايام المقبلة ستكشف ما اذا كانت واشنطن ستنجح في موازنة ديونها دون التضحية باستقرار اسعار المستهلكين.
