يواجه الفلسطينيون في الضفة الغربية نمطا جديدا من السيطرة الاستعمارية التي تتجاوز مصادرة الارض الى فرض الهيمنة البصرية عبر نشر اعلام الاحتلال بشكل مكثف على طول الطرق الرئيسية. وتجد الشابة تغريد يحيى نفسها امام مشهد يومي مؤلم اثناء تنقلها بين مدن شمال الضفة حيث تلاحظ زحف هذه الرموز التي تعكس تغييرا تدريجيا في الجغرافيا والهوية. واوضحت ان هذا الغزو البصري يثير مشاعر مختلطة من الحزن والغضب لكنه في الوقت ذاته يعزز التمسك بالارض والذاكرة في مواجهة محاولات المحو.
واكد مراقبون ان استحواذ المستوطنين على المشهد العام لم يعد يقتصر على البؤر الاستيطانية او الاعتداءات المسلحة بل امتد ليرسم خريطة استيطانية تفرض مسارات حركة للمستوطنين محمية ومحددة بهذه الاعلام. وبينت تقارير ميدانية ان هذه الفعاليات تهدف الى خلق واقع بصري تهويدي يتقاطع مع سرعة انشاء البؤر العشوائية التي باتت تنتشر كالفطر في مختلف المناطق.
وذكرت مصادر محلية ان قوات الاحتلال تشرع في عمليات اقتلاع للاشجار الفلسطينية تمهيدا لفتح طرق التفافية او لتوسيع نطاق التواجد الاستيطاني الذي ترافقه حملات تعليق الاعلام. واضافت ان حجم الهدم والنشاط الاستيطاني في محافظات مثل جنين تضاعف بشكل غير مسبوق خلال الاشهر الاخيرة مما يهدد مستقبل المحافظة ونسيجها الجغرافي والاجتماعي بشكل مباشر.
جغرافيا تحت التغيير القسري
وكشفت المصورة فاتن عبد الهادي ان ملاحظاتها الميدانية خلال تنقلها بين مدن الضفة تشير الى تغيرات جغرافية دراماتيكية حدثت في زمن قياسي لا يتجاوز الشهرين. واشارت الى ان المشهد الذي كان مألوفا اصبح غريبا ومؤلما حيث تبرز البيوت المتنقلة والاعلام كادوات لسرقة الانتماء والحق في الارض. وبينت ان هذا التغير البصري يهدف الى زعزعة ثقة الفلسطيني بارضه وتفاصيل محيطه الطبيعي.
واضاف المواطن معاذ كامل ان هذه الممارسات تأتي في سياق سلب الفلسطينيين حقهم في الدهشة او الاستنكار حيث اصبح الفعل الاستيطاني جزءا من روتين القسوة اليومي. واكد ان تعمد الاحتلال لمد الفضاء الجغرافي بهذه الرموز يمثل محاولة مكشوفة لاظهار الوجود الفلسطيني كوجود طارئ بينما يصور المستوطن كصاحب قرار دائم على الارض.
وشدد خبراء ان التمدد البصري والاستيطاني شهد تصاعدا كبيرا بعد اكتوبر من العام الماضي حيث تحولت البؤر الصغيرة الى تجمعات ثابتة مدعومة بمخططات هيكلية رسمية. واظهرت البيانات ان الاحتلال يسعى الى الانتقال من سياسة توسيع المستعمرات القائمة الى انتاج مستعمرات جديدة تهدف الى تمزيق التواصل الجغرافي الفلسطيني بالكامل.
استراتيجية كي الوعي
واوضح المختص في الشأن الاسرائيلي خلدون البرغوثي ان نشر الاعلام هو اداة نفسية تهدف الى كي الوعي الفلسطيني وترسيخ فكرة ان الوجود الاستيطاني اصبح حقيقة لا رجعة عنها. واضاف ان هذه السياسة تتماشى مع خطابات قادة اليمين الاسرائيلي الذين يتفاخرون ببناء مئات المزارع والبؤر الاستيطانية لفرض سيادة امر واقع على الاراضي الفلسطينية.
وكشف البرغوثي ان الجهات الاستيطانية تستخدم مجموعات مثل شبيبة التلال لترهيب سكان القرى ودفعهم للهجرة نحو مراكز المدن. واكد ان الهدف النهائي من كل هذه التحركات هو تفريغ الارض من سكانها الاصليين وحصرهم في كانتونات معزولة بينما يتم ربط المستوطنات ببعضها عبر شبكة طرق تفرض الهيمنة الاسرائيلية على كل شبر في الضفة.
واختتمت التحليلات بان هذه الحرب البصرية ليست منفصلة عن الحرب المادية على الارض بل هي مكملة لها في اطار مشروع ضم شامل. واضاف ان صمود الفلسطينيين في قراهم ومواجهتهم لهذه الرموز يظل الحائط الاخير امام مخططات التهويد التي تسعى لفرض واقع جديد يمحو الوجود الفلسطيني من المشهد البصري والسياسي.
