يبرز مشروع الناقل الوطني للمياه في مدينة العقبة كركيزة استراتيجية لا تتوقف عند حدود تأمين الموارد المائية فحسب، بل تمتد لتصبح محركا رئيسيا لاعادة رسم الخريطة الاقتصادية والصناعية للمدينة. ويشكل هذا المشروع العملاق نقطة تحول جوهرية في تعزيز مكانة العقبة كمركز اقليمي متطور للصناعات اللوجستية والاستثمارات الضخمة التي تخدم الاقتصاد الوطني بشكل مباشر. واضاف خبراء ان المشروع يمهد الطريق امام منظومة متكاملة من الصناعات المساندة التي ستخلق فرص عمل نوعية وتنشط الحركة التجارية والتصنيع المحلي.

وعدت الخطوات التنفيذية الاخيرة لا سيما قرار انشاء مصنع متخصص للانابيب الفولاذية باستثمار يصل الى 120 مليون دينار، مؤشرا قويا على جدية التوجه نحو توطين الصناعات المرتبطة بالمشروع. واكد مختصون ان تخصيص جزء كبير من انتاج هذا المصنع لصالح الناقل الوطني يعكس استراتيجية ذكية لتعظيم القيمة المضافة محليا وتحويل متطلبات المشروع الى فرص انتاجية ملموسة داخل السوق الاردني.

وبين الدكتور محمد الفرجات استاذ الجيولوجيا ان المشروع الذي تقدر تكلفته الاجمالية بمليارات الدولارات يتجاوز كونه مجرد ناقل للمياه، اذ يفتح افاقا واسعة لتصبح العقبة مركزا لتكنولوجيا التحلية والطاقة المتجددة. واوضح ان الربط بين تحلية مياه البحر واستخدام الطاقة الشمسية في القويرة يخلق بيئة خصبة لجذب الاستثمارات العالمية، مما يجعل من العقبة نموذجا يحتذى به في ادارة الموارد بكفاءة عالية.

افاق استثمارية وتنمية صناعية مستدامة

وشدد الفرجات على ضرورة استغلال البنية التحتية والميناء في العقبة لتوطين سلسلة القيمة المضافة، داعيا الى التوسع في صناعات اغشية التناضح العكسي ومراكز البحث والتطوير المختصة. واكد ان هذه الخطوات ستسهم في تحويل المدينة الى وجهة اقليمية للابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيئة البحرية، مما يقلل الضغط على مصادر المياه الجوفية ويحقق استدامة بيئية طويلة الامد.

واشار الخبير الاقتصادي حسام عايش الى ان الناقل الوطني يمثل محطة فارقة تعزز موقع العقبة على الخارطة الاقتصادية العالمية، خاصة مع التكامل الملحوظ بين مشاريع المياه والطاقة النظيفة. واضاف ان المشروع يتقاطع بشكل مباشر مع مبادرات الطاقة الخضراء مثل مشروع الامونيا الخضراء، مما يدعم تحول المدينة الى مركز رائد للصناعات الصديقة للبيئة والخدمات الهندسية المتقدمة.

وكشف عايش ان الاثر المباشر للناقل الوطني يتجلى في تنشيط قطاعات الانشاءات والمعدات والخدمات اللوجستية خلال مراحل التنفيذ المختلفة. وشدد على اهمية رفع نسبة المحتوى المحلي من خلال تأهيل الموردين الاردنيين ونقل التكنولوجيا الحديثة، لضمان مشاركة الشركات الوطنية بفعالية في سلاسل التوريد والاستفادة من الانفاق الرأسمالي داخل الاقتصاد المحلي.

تكامل مؤسسي لتسريع الانجاز التنموي

وذكرت التقارير ان سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة بالتعاون مع وزارة المياه والري اطلقت منصة النافذة الواحدة لتسريع اجراءات التراخيص للمشروع. واوضح المراقبون ان هذا التنسيق المؤسسي يهدف الى توحيد الجهود وتبسيط الاجراءات الادارية امام المستثمرين، مما يعزز من جاذبية العقبة كبيئة استثمارية امنة ومستقرة.

وخلصت التحليلات الى ان الناقل الوطني يمثل فرصة ذهبية لاعادة تعريف الدور الاقتصادي للعقبة من خلال ترابط وثيق بين الامن المائي والصناعة والطاقة. واكد الخبراء ان نجاح هذا المشروع مرهون بوضع خطة اقتصادية مرافقة تتضمن مؤشرات قياس دقيقة لحجم الاستثمار المحلي وخلق الوظائف، لضمان تحوله الى قاطرة نمو اقتصادي مستدام تخدم اجيال المستقبل.