لم يعد الريال الايراني مجرد عملة محلية تخضع لمعايير التضخم واسعار الفائدة التقليدية، بل تحول في الاونة الاخيرة الى ساحة معركة حقيقية تعكس حجم الصراع الجيوسياسي القائم. ومع كل تصعيد عسكري او تلويح بعقوبات جديدة من الجانب الامريكي، تهتز اركان سوق الصرف الايرانية بشكل عنيف، مما يدفع طهران الى البحث المستمر عن منافذ بديلة للبقاء. واوضحت دراسة حديثة ان العملة الايرانية اصبحت تعيش تحت وطاة ما يعرف بـ اقتصاد الحرب، حيث تتقدم الاعتبارات الامنية والبقائية على كافة الحسابات الاقتصادية المعتادة.
واكد الباحث باسم محمد عباس في دراسته الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، ان انهيار الريال ليس قصة نقدية منعزلة، بل هو مرآة دقيقة لما يشهده الاقتصاد الايراني في ظل ما وصفه الرئيس الامريكي دونالد ترمب بـ يوم الانزال الاقتصادي. واظهرت البيانات ان الحملة الامريكية لم تكتف بفرض عقوبات جديدة، بل استهدفت ضرب القنوات الموازية التي ابتكرتها طهران للالتفاف على العزلة المالية، بما في ذلك التجارة مع الصين والاعتماد على الذهب والعملات المشفرة.
وبينت الدراسة ان المفارقة الكبرى تكمن في ان كلما زادت حدة العقوبات، زادت ايران ابتكارا في البحث عن طرق للالتفاف عليها، الامر الذي يجعل هذه الطرق بدورها اهدافا مشروعة للضغط الامريكي. واشار التقرير الى ان سوق الصرف لم تعد تستجيب لمؤشرات العرض والطلب فقط، بل اصبحت شديدة الحساسية لاي نبض قادم من جبهات الحرب، مما ادى الى قفزات غير مسبوقة في سعر الدولار مقابل الريال.
الحرب تفرض قواعدها على سوق الصرف
واضافت التحليلات ان التدهور المتسارع في قيمة العملة يرتبط ارتباطا وثيقا بالتوترات العسكرية، حيث تجاوز الدولار حاجز المليوني ريال في وقت قياسي خلال الاشهر الماضية. وشدد الباحث على ان العامل النفسي يلعب دورا محوريا في هذا الانهيار، اذ يسارع الافراد والاسواق للبحث عن ملاذات آمنة بعيدا عن الريال بمجرد سماع اي تهديد جديد، وهو ما اعترف به محافظ البنك المركزي الايراني في تصريحات سابقة حول دور الاجواء السائدة في تراجع العملة.
واكد التقرير ان المشكلة اصبحت بنيوية، حيث لا تكتفي العقوبات الثانوية بمحاصرة الاقتصاد التقليدي، بل تطارد بدقة القنوات التي تستخدمها طهران للحصول على العملات الصعبة خارج النظام المصرفي الدولي. واشار المسؤولون الايرانيون الى محاولات مستميتة لضخ مليارات الدولارات في السوق للسيطرة على التضخم، الا ان ارتفاع اسعار الغذاء والسلع الاساسية بنسب قياسية يعكس فشل هذه التدخلات في حماية القوة الشرائية للمواطن.
وبينت الارقام ان التضخم في ايران وصل الى مستويات استثنائية تجاوزت الـ 80% في المناطق الحضرية، مما يعني ان انهيار العملة قد تحول من مجرد ارقام على شاشات الصرافة الى معاناة يومية ملموسة. واوضحت الدراسة ان طهران تواجه معضلة مزدوجة تتمثل في ضرورة الدفاع عن الريال داخليا، بينما تتعرض مصادر تدفق الدولار لضغوط خارجية خانقة لا ترحم.
طهران في رحلة البحث عن بدائل للدولار
وكشفت الدراسة ان الصين تظل الشريك الاكبر لايران، حيث تستحوذ على الجزء الاكبر من صادرات النفط، الا ان هذا الاعتماد يمثل نقطة ضعف استراتيجية. واضافت ان تراجع واردات الصين من النفط الايراني مؤخرا بفعل الضغوط الامريكية على المصافي المستقلة، وضع طهران امام واقع اقتصادي صعب، خاصة مع تزايد الاعتماد على نظام المقايضة الذي لا يوفر بالضرورة السيولة النقدية المطلوبة لدعم العملة.
واكدت التقارير ان بعض الدولارات لا تزال تجد طريقها الى الداخل عبر شبكات مصرفية موازية وشركات واجهة، الا ان واشنطن بدات تغير استراتيجيتها لتلاحق الوسطاء والبنوك المتعاونة في دول ثالثة. واوضحت الامثلة المذكورة في الدراسة كيف تحولت المعركة من حصار البنوك الايرانية الى مطاردة شبكة الظل المالية التي نشأت حول هذا الحصار، مما يجعل مساحة المناورة تضيق يوما بعد يوم.
وبينت الدراسة ان الذهب والعملات المشفرة اصبحا الملاذ الاخير للعديد من الايرانيين لحماية مدخراتهم، الا ان هذه الملاذات لم تسلم من ملاحقة العقوبات الامريكية. واشارت الى ان المنصات الرقمية التي كانت تستخدم للالتفاف على النظام المالي اصبحت هي نفسها اهدافا مباشرة، مما يضع المواطن الايراني في مواجهة مباشرة مع تداعيات سياسات بلاده الاقتصادية.
مستقبل الريال في ظل اقتصاد الحرب
واضافت الدراسة ان طهران لا تزال تدير ازمة نقدية ممتدة وليس حلا جذريا، حيث تظل جميع الادوات المتاحة مجرد مسكنات لتخفيف حدة الصدمة. واكدت ان المسارات القادمة للريال تتراوح بين استمرار التآكل التدريجي، او الانفراج السياسي المشروط، او السيناريو الاسوأ وهو الحرب الشاملة التي قد تنهي تماما قدرة النظام على ادارة العملة.
واوضحت الدراسة ان الاقتصاد الايراني اثبت قدرة على المناورة وابتكار قنوات غير تقليدية، لكن هذه القدرة لها سقف حددته الحرب والعقوبات. وشددت على ان مصير الريال اصبح اليوم مرتبطا بمسار الحرب اكثر من ارتباطه بقرارات البنك المركزي، مما يجعل استقرار العملة رهينة لتطورات الصراع الدولي.
واكدت الخلاصة ان ايران تعيش حالة من الاستنزاف النقدي، حيث لم يعد الريال مجرد عملة، بل اصبح مقياسا لمدى صمود الدولة في مواجهة الضغوط الخارجية المستمرة، وهو صراع يبدو انه سيستمر طالما بقيت خيارات الحل السياسي بعيدة المنال.
