قال رئيس الوفد البرلماني الأردني النائب الأول لرئيس مجلس النواب الدكتور خميس حسين عطية، إنه لا يمكن أن نطالب الشعوب بالثقة بالنظام الدولي إذا كانت قواعد القانون الدولي تطبق على البعض وتتوقف أمام البعض الآخر.

جاء ذلك في كلمته اليوم أمام الجمعية العامة الـ(153) للاتحاد البرلماني الدولي المنعقدة في جمهورية تنزانيا المتحدة ، تحت عنوان "تعزيز الحوكمة الرشيدة وتمكين المجتمعات المحلية من خلال الشمولية والثقة وإتاحة الفرص للجميع".

وثمن عطية في مستهل كلمته العنوان الرئيس للمؤتمر، لافتاً إلى أنه عنوان بالغ الأهمية يلامس واحدة من أهم القضايا التي تواجه دولنا اليوم، وهي كيف نبني دولة يشعر فيها المواطن أن مؤسساتها تعمل من أجله، وأن صوته مسموع، وأن القانون يحميه، وأن الفرص متاحة أمامه على أساس العدالة وتكافؤ الفرص.

وقال: من الأردن، نأتي إلى هذا المؤتمر ونحن نحمل تجربة إصلاحية يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني، تقوم على تحديث الدولة ومؤسساتها، وتعزيز المشاركة السياسية، وتطوير الإدارة العامة، وتمكين الشباب والمرأة، وتوسيع دور المجتمعات المحلية في تحديد أولوياتها والمساهمة في صناعة القرار، وقد قام مجلس النواب الأردني مؤخراً بإقرار قانون البلديات واللامركزية الإصلاحي الذي يأتي في إطار هذه الرؤية الإصلاحية ذاتها، ويهدف لزيادة إدماج المواطن في الحياة العامة.

وأضاف أن جلالة الملك أكد في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، أن العالم يواجه أزمة في الثقة، وأن احترام القواعد والقانون الدولي والتعاون بين الدول أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لافتاً إلى أن هذه الرسالة تنطبق على المستوى الدولي كما تنطبق على المستوى الوطني.

وبين أنه لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يثق بمؤسساته إذا لم يرَ العدالة والمساواة في حياته اليومية، مشدداً على أنه لا يمكن الحديث عن الحوكمة والعدالة وسيادة القانون من دون التوقف أمام ما يجري في فلسطين المحتلة.

وتابع أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، من قتل ودمار ومعاناة إنسانية، إلى جانب ما يجري من مصادرة للأراضي والاستيطان والتهجير والعنف في الضفة الغربية، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية وقانونية وأخلاقية.

وأكد عطية أن الأردن، بقيادة جلالة الملك، كان واضحاً في رفض التهجير ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية، وفي التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وأكد أن الأردن يواصل دوره في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، انطلاقاً من الوصاية الهاشمية التاريخية، ويدعو إلى وقف الحرب وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية.

وأشار إلى أن ما يجري في فلسطين ليس أزمة منفصلة عن أمن المنطقة، فالحروب والصراعات الممتدة في الإقليم تترك آثارها على الأمن والاستقرار والاقتصاد والطاقة والمياه والهجرة ومستقبل الأجيال.

وشدد عطية على أننا بحاجة إلى نظام دولي يعيد الاعتبار للقانون، ويجعل الحوار والتعاون بديلاً عن القوة، ويعالج جذور الصراعات لا نتائجها فقط، مبيناً أن الأردن يدرك أن مواجهة التحديات الخارجية تبدأ أيضاً ببناء دولة قوية من الداخل؛ دولة مؤسسات، قادرة على الإصلاح والتحديث، وعلى توفير الخدمات والفرص، وعلى تعزيز مشاركة المواطنين.

وتابع أن الأردن يمضي في تحديث الإدارة العامة، وتطوير الإدارة المحلية، وتعزيز التحول الرقمي، وتحسين جودة الخدمات، وتمكين المحافظات والمجتمعات المحلية من المشاركة في تحديد أولوياتها التنموية.

وقال إن تمكين المجتمعات المحلية لا يعني فقط نقل بعض الصلاحيات، وإنما يعني توفير الموارد والقدرات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك المواطنين في تحديد ما تحتاجه مناطقهم فعلياً.

وأضاف أن الدور الأساسي للبرلمانات يبرز هنا، فالبرلمان ليس مؤسسة للتشريع فقط، وإنما هو مساحة للحوار الوطني، وجسر بين المواطن والدولة، وأداة للرقابة والمساءلة وحماية المصلحة العامة.

وشدد عطية على أن الثقة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالممارسة، فالثقة تُبنى عندما يكون القانون فوق الجميع، وعندما تكون الفرص متاحة للجميع، وعندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن كرامته مصانة، وأن مؤسسات الدولة تعمل لخدمته.

وأكد أن رسالة الأردن اليوم واضحة: نريد حوكمة تقوم على المشاركة، وتنمية تقوم على العدالة، ومؤسسات تقوم على الثقة، وسلاماً يقوم على القانون والعدل، لا على القوة وفرض الأمر الواقع.

واختتم كلمته أمام رؤساء وممثلي البرلمانات لدى الاتحاد البرلماني الدولي بالقول: نريد عالماً لا تكون فيه حقوق الإنسان قابلة للتجزئة، ولا يكون فيه القانون الدولي انتقائياً، ولا تُترك فيه الشعوب وحدها أمام الحروب والصراعات، وهذه هي رؤيتنا في الأردن: دولة قوية بمؤسساتها، ومجتمع قوي بمشاركة مواطنيه، ومواطن قوي بحقوقه، ومنطقة آمنة بالعدالة، وعالم أكثر احتراماً للقانون والإنسان.