كتب وزير العمل السابق، والذي طلب رئيس الوزراء جعفر حسان منه تقديم استقالته بسبب تضارب المصالح، مقالاً على صحيفة الغد عن المشاركة الحزبية، وقال إن مشاركة الأحزاب في الحكومة ليست نهاية مشروع التحديث السياسي، بل بداية الاختبار العملي له. ونجاحها يتطلب أحزابا جاهزة، وحكومة جادة، ومعايير اختيار واضحة، وبرنامجا قابلا للقياس.
وتالياً نص المقال:
لا يكتمل التحديث السياسي بتعديل قانون الانتخاب أو زيادة المشاركة في الانتخابات، بل بانتقال الأحزاب من موقع التمثيل والطرح إلى موقع المسؤولية وصنع السياسات. ومن هذه الزاوية، فإن إشراك شخصيات حزبية في الحكومة خطوة ضرورية، لأنها تختبر قدرة الأحزاب على تحويل برامجها إلى قرارات، وتمنح المواطنين فرصة الحكم على العمل السياسي من خلال النتائج لا الشعارات.
لقد تشرفت بالمشاركة في لجنة تحديث المنظومة السياسية، وتوليت رئاسة لجنة الانتخاب التي أقرت مشروع قانون الانتخاب في تلك المرحلة. وكان واضحا أن تقديم مشروع انتخاب لا يمكن أن يحقق أهدافه بمعزل عن بناء حياة حزبية فاعلة. فدعوة المواطنين، ولا سيما الشباب، إلى الانخراط في الأحزاب تفقد معناها إذا بقيت المشاركة الحزبية محصورة في الانتخابات، من دون طريق واضح إلى مواقع المسؤولية العامة.
لكن إشراك الأحزاب في الحكومة لا ينجح بمجرد تعيين وزراء يحملون عضوية حزبية. فالنجاح يتطلب شروطا سياسية ومؤسّسية واضحة، في مقدمتها أن تكون المشاركة مرتبطة ببرامج معلنة، لا بانتماءات فردية أو ترتيبات شكلية. وينبغي أن يعرف المواطن ما الذي يقدمه الحزب، وما الذي سيتحمل مسؤوليته، وكيف ستقاس نتائج مشاركته.
أول هذه الشروط هو وضوح العلاقة بين الحزب والوزير. فالوزير الحزبي لا ينبغي أن يكون ممثلا لحزبه داخل الحكومة بالمعنى الضيق، ولا أن يعمل بمعزل عن برنامجه السياسي. وفي الوقت نفسه، يجب أن يلتزم بقرارات مجلس الوزراء وبالمصلحة الوطنية العامة. وهذا يتطلب تحديدا واضحا للمسؤوليات، بحيث لا تتحول المشاركة إلى ازدواجية في المرجعيات أو إلى صراع بين الالتزام الحزبي والمسؤولية الدستورية.
وثانيها أن تقوم عملية الاختيار على الكفاءة والنزاهة والخبرة، لا على المحاصصة أو التوزيع الرمزي. فالعضوية الحزبية شرط مهم في مسار التحديث، لكنها لا تكفي وحدها لتولي حقيبة وزارية. المطلوب شخصيات تجمع بين الفهم السياسي والقدرة الإدارية، وتمتلك خبرة في المجال الذي ستديره، وقادرة على اتخاذ القرار ومتابعة التنفيذ ومساءلة المؤسسات التابعة لها.
أما الشرط الثالث، فهو أن تمنح الحكومة الوزراء الحزبيين مساحة حقيقية للعمل، لا أن تكتفي بإدخالهم في تشكيلتها من دون صلاحيات أو تأثير. فالمشاركة الشكلية تضر بالأحزاب وبالحكومة معا، لأنها توحي بأن الهدف هو تحسين الصورة لا تطوير الأداء. وينبغي أن تكون للوزير مسؤولية واضحة، وأهداف قابلة للقياس، وموارد وأدوات تمكنه من تنفيذ ما يلتزم به.
ويأتي بعد ذلك شرط البرنامج الحكومي. فإذا كانت الأحزاب ستشارك في الحكومة، فيجب أن تنعكس أولوياتها في برنامج حكومي محدد، يتضمن أهدافا زمنية ومؤشرات أداء وآليات متابعة. ولا يكفي إعلان عناوين عامة مثل تحسين الاقتصاد أو تطوير الخدمات؛ بل ينبغي تحديد ما الذي سيتغير، ومتى، وكيف سيعرف المواطن أن الحكومة حققت ما وعدت به.
كما أن نجاح التجربة يحتاج إلى آلية منتظمة للمساءلة. فالحزب المشارك في الحكومة يجب أن يشرح للرأي العام مواقفه، وأن يدافع عن السياسات التي ساهم في صياغتها، وأن يقرّ بما لم ينجح في تنفيذه. ويمكن أن تتولى السلطة التشريعية، إلى جانب أدوات الرقابة العامة، متابعة التزامات الحكومة وقياس مدى تنفيذها، بما يحول دون بقاء المشاركة الحزبية عنوانا بلا نتائج.
ومن الشروط المهمة أيضا أن تكون المشاركة تدريجية ومدروسة. فليس المطلوب الانتقال المفاجئ إلى حكومة حزبية كاملة من دون جاهزية تنظيمية أو سياسية، بل بناء التجربة على مراحل، تبدأ بإشراك كفاءات حزبية في حقائب ذات صلة مباشرة بالبرامج الاقتصادية والاجتماعية، ثم تتوسع وفقا لما تثبته التجربة من قدرة على الإنجاز. والتدرج هنا لا يعني التردد، بل تقليل المخاطر وتراكم الخبرة.
وفي المقابل، تتحمل الأحزاب مسؤولية أساسية في إنجاح هذا المسار. فعليها أن تطور برامج قابلة للتطبيق، وأن تبني قواعد بيانات للكفاءات، وأن تختار مرشحيها وفق معايير معلنة، وأن تعزز الديمقراطية الداخلية. كما ينبغي أن تمتلك فرقا متخصصة قادرة على إعداد السياسات ومتابعة تنفيذها، لأن إدارة الدولة لا تقوم على الخطاب السياسي وحده، بل تحتاج إلى معرفة فنية ومؤسّسية مستمرة.
ويجب كذلك حماية التجربة من تحويل الوزارات إلى حصص حزبية. فالمشاركة الحزبية لا تعني تقاسم السلطة بين التنظيمات، وإنما تعني إدخال منطق البرامج والمساءلة إلى العمل الحكومي. لذلك ينبغي أن يكون معيار التمثيل هو قدرة الحزب على تقديم كفاءات وبرامج، لا حجمه التنظيمي وحده، مع الحفاظ على حق رئيس الوزراء في تشكيل فريق منسجم وقادر على تنفيذ البرنامج الحكومي.
لقد تأخرت الحكومة في الانتقال إلى هذه الخطوة، وكان يمكن أن تبدأ المشاركة الحزبية في وقت أبكر، بما يمنح الأحزاب فرصة أكبر لاكتساب الخبرة التنفيذية. غير أن التأخر لا يبرر رفض الخطوة، بل يفرض التعامل معها بجدية أكبر، ووضع ضمانات تمنع تحولها إلى تجربة مؤقتة أو محدودة الأثر.
إن التحديث السياسي مسار تراكمي، ولا ينجح بإقرار القوانين وحده. فالقوانين تفتح المجال، لكن الممارسة هي التي تثبت جدوى الإصلاح. ومن هنا، فإن مشاركة الأحزاب في الحكومة ينبغي أن ترتبط بخطة زمنية واضحة، ومراجعة دورية للنتائج، واستعداد لتصحيح المسار عند ظهور أوجه القصور.
لقد ساهمنا في صياغة قانون الانتخاب انطلاقا من الإيمان بأن الحياة الحزبية تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالنمو والتأثير. واليوم، فإن الخطوة المنطقية التالية هي اختبار قدرة الأحزاب على تحمل المسؤولية التنفيذية، لا بهدف منحها امتيازا، بل بهدف تطوير الحياة العامة وربط العمل السياسي بالإنجاز.
إنني أدعم مشاركة الأحزاب في الحكومة، رغم تأخرها، على أن تكون مشاركة حقيقية لا رمزية، وبرامجية لا شخصية، ومبنية على الكفاءة والمساءلة. فنجاحها سيقاس بتحسن أداء المؤسسات، ووضوح السياسات، وقدرة الوزراء على تنفيذ التزاماتهم، وبمدى استعادة المواطن ثقته بأن الانخراط في العمل الحزبي يمكن أن يقود إلى تأثير فعلي في إدارة الدولة.
مشاركة الأحزاب في الحكومة ليست نهاية مشروع التحديث السياسي، بل بداية الاختبار العملي له. ونجاحها يتطلب أحزابا جاهزة، وحكومة جادة، ومعايير اختيار واضحة، وبرنامجا قابلا للقياس، ومساءلة لا تستثني أحدا. عندها فقط تصبح المشاركة الحزبية وسيلة لتعزيز الدولة ومؤسساتها، وتوسيع قاعدة المسؤولية الوطنية، وتحويل الإصلاح السياسي من فكرة معلنة إلى ممارسة يلمسها الأردنيون في حياتهم اليومية.
