يعاني اصحاب الاعمال الصغيرة في ايران من تداعيات اقتصادية قاسية تسببت في تراجع حاد في الانشطة التجارية وتكدس الديون. كشف تقني يدير ورشة صناعية في طهران ان تكاليف الانتاج قفزت بشكل جنوني مع ارتفاع اسعار المواد الخام والبراغي والادوات الاساسية بنسب وصلت الى مئتي بالمئة. واوضح ان استمرار هذا الوضع بات يهدد وجود ورش العمل التي اصبحت تواجه شبح الاغلاق الكامل في ظل تقلص الطلب وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

واكد اصحاب المهن ان العمل اصبح يتطلب مخاطرة عالية حيث تضطر الورش لشراء المواد فور تلقي الطلبيات لتجنب تقلبات الاسعار اليومية. وبين العاملون ان حالة الركود التي تضرب السوق منذ اشهر جعلت التفكير في الاستمرار امرا صعبا للغاية. واضافوا ان تضخم التكاليف فاق كل التوقعات مما جعل الحفاظ على استمرارية النشاط التجاري تحديا وجوديا يتجاوز قدرة الورش الصغيرة على التحمل.

وشدد خبراء الاقتصاد على ان البلاد تعيش حالة من الركود التضخمي المركب الذي يجمع بين انكماش الناتج المحلي وارتفاع مستويات الاسعار بشكل قياسي. واظهرت البيانات الرسمية ان النمو الاقتصادي سجل تراجعا بالسالب مما يعكس عمق الازمة التي تعصف بالاسواق. واشار محللون الى ان غياب السياسات النقدية الفعالة مثل رفع اسعار الفائدة ساهم في تفاقم التضخم الغذائي الذي تجاوز مستويات مئة بالمئة.

مؤشرات الانكماش الاقتصادي

اوضح الباحثون ان انكماش الاقتصاد الوطني يؤدي بشكل مباشر الى تراجع مستوى المعيشة وتقليص النفقات الضرورية لدى العائلات الايرانية. واكدوا ان استمرار هروب رؤوس الاموال واللجوء للعملة الصعبة كملاذ امن ادى الى استنزاف الموارد المحلية. وبينوا ان محاولات البنك المركزي لضخ الدولارات في السوق لا تعدو كونها مسكنات مؤقتة لا تعالج جذور الازمة الناتجة عن توقف الصادرات البحرية وتشديد الحصار الدولي.

وكشفت التقديرات الاقتصادية ان الكتلة النقدية الضخمة التي تم تخزينها في المنازل بدلا من توظيفها في دورة الانتاج تعكس حالة فقدان الثقة في العملة الوطنية. واضاف الخبراء ان تقلبات سعر الصرف ليست مجرد خلل تجاري بل هي انعكاس لهروب الاموال بحثا عن حفظ قيمة الاصول. واكدوا ان الافراد لم يعودوا ينظرون الى العملة الصعبة كاداة للاستيراد بل كدرع وحيد امام التضخم الجامح.

واشار المراقبون الى ان المشهد الاقتصادي الحالي يضع الحكومة في مأزق حقيقي حيث تتزامن الضغوط المعيشية مع تهديدات امنية متصاعدة. واوضحوا ان التوقعات التضخمية تدفع المواطنين للتمسك بالاصول بدلا من الانفاق مما يزيد من حدة الركود. واكدوا ان السياسات السلبية المتبعة لم تنجح في امتصاص السيولة او كبح جماح الاسعار التي تواصل الارتفاع دون توقف.

اعترافات رسمية بتحديات المرحلة

كشفت التصريحات الرسمية الاخيرة عن تحول في الخطاب السياسي الايراني من لغة الصمود المطلق الى الاعتراف بوجود ضغوط غير مسبوقة. واكد مسؤولون في البرلمان ان الاستراتيجية الامريكية تركز بشكل مكثف على زعزعة الامن الداخلي من خلال خنق الاقتصاد. واضافوا ان الحكومة تحاول البحث عن منافذ جديدة عبر دول الجوار لتأمين الاحتياجات الاساسية للمواطنين في ظل مرحلة توصف بانها من الاصعب في التاريخ الحديث.

وبين الرئيس الايراني ان الاولوية القصوى لحكومته هي دعم معيشة المواطنين والعمل على استقرار الانتاج المحلي في مواجهة العقوبات. واكد امين المجلس الاعلى للامن القومي ان الظروف استثنائية وتتطلب تعاملا حذرا. واضاف ان الاعترافات الرسمية ليست مجرد توصيف للواقع بل هي تمهيد لاعادة ترتيب الاولويات الوطنية لمواجهة مخططات خارجية تهدف الى استغلال السخط الشعبي.

واشار خبراء الجغرافيا السياسية الى ان التناغم في الخطاب الرسمي يشير الى قراءة دقيقة للتقديرات الاستراتيجية القادمة. واكدوا ان هناك مخاوف من ربط الضغوط الاقتصادية بافتعال اضطرابات داخلية منسقة. وبينوا ان السلطات تدرك جيدا ان استمرار حالة التوتر الاقتصادي قد يفتح الباب امام موجات احتجاجية جديدة وهو ما دفع المسؤولين الى التحذير العلني من الانجرار وراء مخططات العدو.

رسائل موجهة للداخل والخارج

اوضح المحللون ان رسائل القيادة الايرانية تحمل ابعادا مزدوجة موجهة للداخل لضبط الشارع وللخارج للتلويح بامكانية التفاوض. واكدوا ان التصريحات الاخيرة لرئيس البرلمان بشان الامن الداخلي تهدف الى تهيئة الاجهزة الامنية لاحتمالية اندلاع احتجاجات شعبية. واضافوا ان طهران تحاول الموازنة بين التهديد بالرد العسكري القاسي وبين ابداء الاستعداد لجولة مفاوضات جديدة بشرط رفع الحصار.

وكشفت القراءات السياسية ان طهران تملك تجربة مريرة مع المفاوضات السابقة التي تزامنت مع هجمات خارجية مما يجعلها اكثر حذرا هذه المرة. واكد المسؤولون ان اي حوار مستقبلي يجب ان يضمن وقف المسار التصعيدي لواشنطن. وبينوا ان الاقتصاد لم يعد مجرد ارقام بل صار محركا اساسيا للقرار السياسي والامني في البلاد.

واختتم المراقبون بالقول ان التحدي الحقيقي امام السلطات هو منع تحول الاعترافات الاقتصادية الى شعور عام بخروج الامور عن السيطرة. واكدوا ان نجاح الحكومة في احتواء التضخم سيكون المعيار الفاصل في استقرار المرحلة القادمة. واضافوا ان المواطن البسيط مثل روح الله لا تهمه التحليلات بقدر ما يهمه استعادة قدرته على العمل والحياة بكرامة في ظل ظروف اصبحت تتجاوز قدرة الجميع على التنبؤ.