تتجدد المطالب الحقوقية والسياسية في فرنسا بالتزامن مع ذكرى مجازر 17 اكتوبر 1961، حيث تسعى اصوات وازنة من رؤساء البلديات الى انتزاع اعتراف رسمي بوصف هذه الاحداث بانها جريمة دولة، وتأتي هذه التحركات وسط مناخ سياسي مشحون بين باريس والجزائر، مع اعلان الاخيرة عن خطوات قانونية جديدة تخص ملف الذاكرة الوطنية في محاولة لترميم الجروح التاريخية العالقة.
واظهرت التقديرات التاريخية ان تلك الليلة الدموية في باريس شهدت قمعا وحشيا للمتظاهرين الجزائريين الذين خرجوا للاحتجاج على حظر التجول التمييزي، واكد المؤرخون ان مئات الضحايا سقطوا حينها تحت سلطة محافظ الشرطة موريس بابون، بينما تواصل السلطات الجزائرية احياء هذه الذكرى سنويا عبر وقفات صمت رسمية ترحما على ارواح المهاجرين الذين قضوا في ذروة ثورة التحرير.
واشار قصر الاليزيه في بيان رسمي الى ان فرنسا تستحضر اليوم ذكرى الجزائريين ضحايا القمع، معتبرا ان هذه الذاكرة جزء من التاريخ المشترك الذي يجب النظر اليه بوضوح، الا ان هذا الموقف لا يزال يواجه انتقادات من قبل منتخبين فرنسيين يطالبون بخطوات اكثر جرأة تتمثل في ادراج هذه الاحداث ضمن الرزنامة الوطنية للايام الرسمية.
مطالب بالانصاف وحقيقة الذاكرة
وكشفت مبادرة وقعها نحو 30 رئيس بلدية في فرنسا عن رغبة حقيقية في تجاوز الخطاب الدبلوماسي التقليدي، حيث شدد الموقعون على ضرورة الاعتراف الصريح بمجازر اكتوبر باعتبارها جريمة دولة، وبينوا ان الهدف ليس نبش الجراح بل مواجهة التاريخ بشجاعة وانصاف العائلات التي ظلت ذاكرتها مهمشة لعقود طويلة.
واضافت المبادرة ان فتح الارشيف المتعلق بحرب الجزائر وتسهيل الاطلاع عليه امام الباحثين والمواطنين يمثل ركيزة اساسية لنقل الحقائق الى الاجيال القادمة، واوضح المنتخبون ان دعم فضاءات الذاكرة يعد وسيلة فعالة لضمان عدم نسيان ضحايا القمع، معتبرين ان هذا المسار هو السبيل الوحيد لتحقيق مصالحة حقيقية وشفافة بين الشعبين.
واكد المتابعون للملف ان الاعترافات السابقة التي قدمها رؤساء فرنسيون مثل فرانسوا هولاند وايمانويل ماكرون كانت محطات هامة لكنها لم ترقَ بعد الى مستوى التطلعات الجزائرية، واوضحوا ان الدولة الفرنسية مدعوة اليوم لتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه هذه الاحداث التاريخية، خاصة في ظل استمرار تعثر لجان المؤرخين المشتركة عن تحقيق اختراق حقيقي في الملفات العالقة.
مسار المصالحة بين التعثر والجمود
وبينت التطورات الاخيرة ان مسار المصالحة الذي انطلق بطلب من الرئيس ماكرون عبر تقرير المؤرخ بنجامين ستورا قد اصطدم بواقع دبلوماسي معقد، واشار المحللون الى ان اللجنة المشتركة التي تأسست في 2022 لدراسة تاريخ الاستعمار توقفت عن العمل بشكل نهائي، وذلك على وقع التوترات الدبلوماسية المتصاعدة التي شهدتها العلاقات الثنائية مؤخرا.
واضافت المصادر ان الانعكاسات السياسية لقرارات باريس بخصوص ملفات اقليمية اخرى القت بظلالها على ملف الذاكرة، مما جعل من الصعب المضي قدما في معالجة ارث الاستعمار الفرنسي بالوتيرة المرجوة، واكد الخبراء ان الذاكرة تظل رهينة الخلافات الراهنة، مما يعيد الملف الى نقطة الصفر في انتظار انفراجة سياسية قد تسمح بفتح صفحات جديدة في تاريخ البلدين.
واوضح مراقبون ان استمرار تجاهل المطالب الرسمية بالاعتراف الكامل بجرائم الاستعمار قد يعمق الفجوة بين باريس والجزائر، مشددين على ان الحقيقة التاريخية تظل الممر الوحيد نحو تطبيع العلاقات، بينما تبقى ذكرى 17 اكتوبر رمزا حيا لمعاناة لم تندمل بعد، ومحكا حقيقيا لنوايا الدول في طي صفحات الماضي المؤلمة.
