بقلم: مؤيد أحمد المجالي
ليست المشكلة أن يختلف رئيس أميركي مع سياسة الهجرة في فرنسا، وليست المشكلة أن ينتقد إيمانويل ماكرون أو يطالب بإغلاق الحدود أو يشدد إجراءات الدخول والإقامة. فهذه قضايا سياسية مشروعة، تخضع للنقاش والمساءلة والاختلاف. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الدين إلى تهمة، وحين يصبح وجود جماعة دينية في مجتمع ما دليلاً على الخطر، وحين تُقدَّم هوية ملايين البشر باعتبارها نذيراً بانهيار دولة أو نهاية حضارة.
هنا تحديداً ينبغي أن نتوقف أمام تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي قال في 19 أكتوبر 2026 إن «باريس ستصبح مدينة مسلمة قريباً جداً»، وربط الاضطرابات التي شهدتها فرنسا بالهجرة، مطالباً بإغلاق الحدود، بعدما كتب على منصته أن المهاجرين «سيطروا على فرنسا». وكان قد صعّد خطابه في السادس من أكتوبر، حين قال إن ما يجري في فرنسا يتعلق بالإسلام الذي يريد، بحسب تعبيره، الاستيلاء على بلد كان عظيماً ذات يوم.
https://www.aa.com.tr/en/politics/trump-links-france-unrest-to-migration-urges-paris-to-close-borders/4093582>
حين تُختزل الدولة في هوية دينية:
ما معنى أن يقول رئيس أقوى دولة في العالم إن عاصمة أوروبية ستصبح «مدينة مسلمة» قريباً؟ وما الرسالة التي تصل إلى المواطن المسلم الذي وُلد في فرنسا، وتعلّم في مدارسها، ويعمل في مؤسساتها، ويدفع ضرائبه، ويحمل جنسيتها، ويعتبرها وطنه؟
هل يُطلب منه أن يثبت ولاءه كل صباح؟ وهل يصبح انتماؤه الديني قرينة على أنه جزء من مشروع يستهدف بلاده؟ وهل يُفترض أن يشعر بالخطر لمجرد أن عدد أبناء دينه قد يرتفع في مدينة أو حي؟
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يحتاج إلى اتهام كل مسلم صراحة؛ يكفي أن يضع الإسلام في سياق الغزو والاستيلاء والخراب، حتى يتحول المواطن المسلم، في نظر بعض المتلقين، من شريك في المجتمع إلى متهم يحتاج إلى تبرئة نفسه.
وهذا هو جوهر المشكلة: حين يصبح الانتماء الديني بديلاً عن الدليل، وتصبح الهوية بديلاً عن المسؤولية الفردية، نكون أمام منطق يهدد أساس المواطنة المتساوية.
من نقد الهجرة إلى شيطنة المسلمين:
للدول حق أصيل في تنظيم الهجرة، وحماية حدودها، ومحاسبة كل من يرتكب جريمة، أياً كانت جنسيته أو ديانته. ولا توجد حصانة دينية أو ثقافية تعفي أحداً من القانون. لكن هذه المبادئ لا تمنح أي مسؤول حق الخلط بين المهاجر والمجرم، أو بين المسلم والمتطرف، أو بين الاختلاف الديني والتهديد الأمني.
إذا ارتكب شخص جريمة، فليُحاسَب على فعلته. وإذا قصّرت الحكومة في إدارة الهجرة، فلتُحاسَب على سياساتها. وإذا واجهت فرنسا أزمة اقتصادية أو تعليمية أو اجتماعية، فلتُناقَش أسبابها بأرقام ووقائع ومسؤوليات واضحة.
أما أن تُجمع هذه القضايا كلها في سلة واحدة، ثم يُشار إلى الإسلام باعتباره التفسير الشامل، فذلك لا يحل مشكلة، بل يصنع عدواً جماعياً يصلح لتعبئة الغاضبين وتوجيه مخاوفهم.
وقد أشارت وكالة الصحافة الفرنسية، في تغطيتها لتصريحات ترامب في السادس من أكتوبر، إلى أنه لم يقدم أدلة تدعم الربط الذي طرحه بين الاحتجاجات والإسلام، وأنه لم يكن قد ثبت وجود صلة بين الحركة الاحتجاجية ومطالب دينية أو هوياتية.
https://www.afp.com/fr/node/3845801
فإذا كانت هناك جرائم، فالقانون هو المرجع. وإذا كانت هناك احتجاجات، فتحليل أسبابها هو الطريق إلى فهمها. أما تحويل الدين إلى تفسير جاهز لكل أزمة، فليس تحليلاً سياسياً؛ إنه استبدال للوقائع بالصورة النمطية.
هل نحن أمام خطاب كراهية؟
ليس كل نقد للإسلام أو للهجرة خطاب كراهية، وليس كل تصريح صادم جريمة يعاقب عليها القانون. حرية التعبير تشمل النقاشات الحادة حول الدين والسياسة والهوية، حتى عندما تكون مزعجة أو مثيرة للجدل.
لكن الأمم المتحدة تميّز بين حرية التعبير من جهة، والخطاب الذي يستهدف جماعة بسبب دينها بلغة تحقيرية أو تمييزية من جهة أخرى، كما تميّز بين المعنى الواسع لخطاب الكراهية وبين التحريض على التمييز أو العداء أو العنف الذي قد يترتب عليه مسؤولية قانونية.
https://www.un.org/en/node/165070
ومن هذا المنطلق، فإن تصوير تحوّل مدينة إلى مدينة ذات أغلبية مسلمة باعتباره نذيراً بالخراب، وربط الإسلام بالاستيلاء على الوطن، يثيران تساؤلات حقوقية جدية حول الوصم الجماعي والتحريض على الخوف من المسلمين.
ولا يتوقف الأمر عند الألفاظ ذاتها؛ فمكانة المتحدث وانتشار كلامه والسياق الذي يُقال فيه عناصر مؤثرة في تقدير أثر الخطاب. وعندما يصدر الكلام عن رئيس دولة، فإنه يتجاوز حدود رأيه الشخصي إلى منصة تملك تأثيراً سياسياً وإعلامياً واسعاً.
ومع ذلك، فإن وصف التصريحات بأنها خطاب معادٍ للمسلمين لا يعني تلقائياً ثبوت جريمة قانونية؛ فذلك يحتاج إلى تطبيق المعايير القانونية المختصة على النص الكامل والسياق والوقائع.
أي حضارة هذه التي تخشى اختلاف مواطنيها؟
لطالما قدّم الغرب نفسه بوصفه مدافعاً عن الحريات الفردية، والمساواة أمام القانون، وحرية الاعتقاد، وحقوق الأقليات. وهذه المبادئ لا تُختبر عندما يكون الجميع متشابهين، بل عندما يختلف المواطنون في أديانهم وأصولهم وثقافاتهم، ومع ذلك يتمتعون بحقوق متساوية.
فإذا كان المسلم مواطناً صالحاً، فلا ينبغي أن يحتاج إلى شهادة ولاء بسبب دينه. وإذا كان مسيحياً أو يهودياً أو ملحداً، فلا ينبغي أن يصبح انتماؤه معياراً للريبة أو الإقصاء. الدولة الحديثة لا تسأل المواطن عن دينه كي تقرر إن كان يستحق حقوقه؛ بل تسأله عن أفعاله حين يقتضي القانون ذلك.
والسؤال الذي تفرضه هذه التصريحات ليس ما إذا كانت باريس ستصبح مسلمة أو غير مسلمة، بل لماذا يُقدَّم هذا الاحتمال، في ذاته، باعتباره كارثة؟
هل أصبحت المشكلة في عدد أتباع دين معين، أم في قدرة الدولة على ضمان القانون والمواطنة والاندماج والعدالة؟ وهل تُقاس قوة فرنسا بمدى تجانس مواطنيها دينياً، أم بقدرتها على إدارة اختلافاتهم دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع؟
إن الدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى مواطناً بسبب صلاته أو صيامه أو اسم عائلته. الدولة الواثقة تطلب من الجميع احترام القانون، وتحمي الجميع بالقانون نفسه.
المسلم ليس مسؤولاً عن كل أزمة:
يجب أن يكون هذا المبدأ واضحاً: المسلم ليس مسؤولاً عن جريمة لم يرتكبها، والمهاجر ليس مجرماً لمجرد أنه مهاجر، والاختلاف الديني ليس إعلان حرب على الدولة.
وفي المقابل، لا ينبغي استخدام مكافحة الإسلاموفوبيا ذريعة لتجاهل المشكلات الحقيقية المرتبطة بالهجرة أو التطرف أو الأمن أو الاندماج. فالمجتمعات تحتاج إلى نقاش صريح ومسؤول حول هذه الملفات، لا إلى إنكار المشكلات ولا إلى اختراع عدو جماعي.
المعيار العادل واحد: الوقائع بدلاً من التعميم، والمسؤولية الفردية بدلاً من العقاب الرمزي لجماعة بأكملها، والقانون بدلاً من التحريض.
وإذا كان ترامب يريد الدفاع عن فرنسا، فالأجدر أن يناقش السياسات التي يرى أنها أخفقت، وأن يقدم الأدلة على اتهاماته، لا أن يجعل هوية دينية كاملة عنواناً للانهيار. فالخوف قد يحشد الجمهور في لحظة، لكنه لا يبني دولة عادلة، ولا يعالج أزمة اقتصادية، ولا يصلح مدرسة، ولا يحقق اندماجاً اجتماعياً.
الكلمة الأخيرة: الخطر ليس في اختلاف الناس، بل في صناعة الكراهية:
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن تتنوع أديانه، بل أن يفقد القدرة على رؤية أفراده بوصفهم بشراً متساوين في الكرامة والحقوق. وليس الخطر أن يكون بين المواطنين مسلمون ومسيحيون ويهود وغير متدينين؛ بل أن يُقنعهم خطاب سياسي بأن وجود بعضهم تهديد لوجود بعضهم الآخر.
حين يصبح الدين تهمة، لا يعود أحد آمناً من منطق الاتهام الجماعي. وحين تُختزل الهوية في صورة العدو، تصبح الحقوق قابلة للتفاوض، والمواطنة امتيازاً تمنحه الأغلبية وتسحبه حين تخاف.
لا تُقاس عظمة فرنسا، ولا عظمة أي دولة، بلون دين مواطنيها أو بعدد أتباع عقيدة بعينها؛ بل بقدرتها على حماية المختلفين، ومحاسبة المخطئين، ومنع تحويل البشر إلى متهمين بسبب هوياتهم.
أما أن يُستخدم الإسلام فزّاعةً سياسية، وأن يُقدَّم المسلمون باعتبارهم مشروع استيلاء على الأوطان، فذلك خطاب يستحق المواجهة بالحقيقة والقانون وحقوق الإنسان.
فالأوطان لا يحميها اختراع الأعداء، والحضارات لا تنقذها الكراهية، والحرية التي لا تتسع للمختلف ليست حرية مكتملة؛ إنها مجرد امتياز مؤقت لمن يملكون القوة.
