بقلم: الناقد أسيد الحوتري
لم يعد اليقين، في الفكر الحديث والمعاصر، حقيقة ثابتة ونهائية يمكن الركون إليها من دون مساءلة. فقد أسهمت الحداثة وما جلبته الحرب العالمية الأولى في زحزحة كثير من المرجعيات التقليدية، وإعادة النظر في المسلمات التي كانت تقدم نفسها بوصفها حقائق مطلقة، بينما دفعت تيارات ما بعد الحداثة مع كل نتائج الحرب العالمية الثانية الكارثية هذا الشك إلى مستويات أوسع، من خلال مساءلة الحقيقة الواحدة، والتشكيك في المرجعيات الكبرى، والنظر إلى المعرفة بوصفها قابلة للتعدد والتأويل وإعادة البناء. ولم يكن الأدب بعيدا عن هذه التحولات؛ إذ انعكس ذلك على طرائق بناء الحكاية والشخصيات والرواة، فلم يعد السارد بالضرورة المصدر النهائي للحقيقة، ولم تعد الحكاية تقدم للقارئ باعتبارها رواية مكتملة وموثوقة لما حدث، بل أصبحت في كثير من النصوص مجالا للتردد والاحتمال وتعدد وجهات النظر.
من هنا يمكن فهم حضور ثيمة "غياب اليقين" في السرد الحديث والمعاصر بوصفه أكثر من مجرد موضوع؛ فهو يتحول أحيانا إلى طريقة في بناء النص نفسه. فحين تتعدد الأصوات، وتتعدد الرواة، وتضطرب ذاكرة السارد، ويبدأ النص في التشكيك في مصادره وفي فعل الكتابة ذاته، يصبح القارئ أمام حقيقة غير مكتملة، وعليه أن يشارك في البحث عنها بدل أن يتلقاها جاهزة. وهذا تحديدا ما يلفت النظر في مجموعة "ضحايا الحكايات" للقاص ماهر طميزي، حيث لا يقتصر حضور الشك على مضمون بعض الحكايات، وإنما يتغلغل في بنيتها السردية، من خلال مجموعة من التقنيات السردية التي تعزز ثيمة غياب اليقين.
تقوم المجموعة، في جانب أساسي من بنائها، على فلسفة الشك المعرفي وتكريس ثيمة غياب اليقين، من خلال تفكيك فكرة السلطة السردية المطلقة، وإبراز نسبية الواقع وميوعة الحقيقة. ولا يقدم الكاتب للقارئ حقيقة واحدة مغلقة، بقدر ما يضعه أمام روايات واحتمالات ووجهات نظر متعارضة أو متجاورة، بحيث يصبح السؤال عن الحقيقة جزءا من التجربة القرائية ذاتها. يبرز هذا التوجه بوضوح من خلال أربع تقنيات سردية أساسية استعان بها القاص هي: تعدد الأصوات، وتعدد الرواة، والراوي غير الموثوق، والتشكيك الميتاسردي. وهي تقنيات متمايزة من الناحية السردية، لكنها تلتقي في وظيفة أساسية هي زعزعة اليقين وإبقاء الحقيقة مفتوحة أمام احتمالات متعددة.
تعدد الأصوات: الحقيقة من خلال تعدد الرؤى
تتجلى تقنية تعدد الأصوات حين تتعدد الآراء والمواقف الفكرية والوجدانية تجاه الموضوع الواحد داخل القصة، من دون أن ينفرد صوت واحد بفرض رؤيته بوصفها الحقيقة النهائية. وهنا يصبح الحدث الواحد قابلا لأن يُرى من زوايا مختلفة، بحيث لا تعود الشخصية أو الواقعة ذات معنى واحد ثابت.
في قصة "السراب"، تظهر هذه التقنية في تنوع الرؤى والمواقف الإنسانية تجاه امرأة تبحث عن الحب "لا ينتهي بسرير بارد وأطفال نائمين في الغرفة المجاورة" (ص. 9). فالموقف الواحد يتحول إلى مساحة تتقاطع فيها أصوات متعددة: فيظهر صوت واقعي اجتماعي ينظر إلى المرأة من زاوية القهر والظروف، يوضح أنها تزوجت صغيرة وأنجبت قبل أن تتعلم الحب، لذلك تبحث عن الحب؛ ويُسمع صوت صارم أخلاقي آخر يحاكم موقفها من منظور الوصاية الاجتماعية والاتهام بالخيانة؛ وصوت ثالث فلسفي تفكيكي يعيد النظر في القراءة السطحية لسلوكها، مؤكدا أنها لا تبحث عن رجل، وإنما تبحث عن نفسها، عن الإنسان الذي يجب أن يشعر بالحب.
وبذلك لا تصبح المرأة مجرد شخصية تؤدي فعلا محددا، وإنما تتحول إلى مساحة تتقاطع فوقها تأويلات متعددة. فكل صوت يقرأها من موقعه، ويسقط على تجربتها رؤيته وانحيازه ونقصه الداخلي. وهنا تظهر البؤرة النفسية بوصفها مركزا للمشاعر والدوافع، لا لتقديم إجابة نهائية عن الشخصية، بل للكشف عن اختلاف الطريقة التي يمكن أن تُفهم بها التجربة الإنسانية.
تعدد الرواة: الحكاية الواحدة بوجوه متعددة
إذا كان تعدد الأصوات يتعلق بتعدد المواقف والرؤى داخل العالم القصصي، فإن تعدد الرواة يتعلق بالبناء السردي نفسه، أي بتوزيع فعل الحكي على أكثر من راو يتولى كل منهم نقل الأحداث من زاويته الخاصة.
في قصة "السراب"، يبرز هذا البناء من خلال وجود تنوع في مستويات الرواة؛ إذ يبدأ راوٍ بتقديم فهمه الخاص، ثم يأتي راوٍ ثانٍ ليضيف بعدا آخر إلى الواقعة، ويتبعه راو ثالث يقدم برهانه ورؤيته. وبهذا لا تصل الحكاية إلى القارئ عبر قناة سردية واحدة، وإنما تتداولها أصوات سردية متعاقبة، فتغدو الحكاية نفسها عرضة للتجزئة وإعادة التفسير، وتبدو أيضا وكأنها ثلاث حكايات مختلفة.
وتتضح هذه التقنية بصورة أكثر صراحة في قصة "الحظيرة الأخيرة"، حيث يقوم المعمار القصصي على ثلاثة رواة مختلفين يتناوبون سرد الحدث نفسه، المتعلق باختفاء طفل في سن العاشرة أو الحادية عشر. الراوي الأول، اللامبالي، لا يبدو مهتما بإقناع أحد، وفي نقل أحداث يتم المبالغة بها في العادة. أما الراوي الثاني، المشكك، فيتعامل مع الواقعة بوصفها مجرد أسطورة نُسجت حول الخوف والوحدة. في المقابل، يصر الراوي الثالث، الموثق، على أن القصة واقعية بحتة، وأن شواهدها مثبتة.
هكذا يصبح الحدث الواحد محاطا بثلاثة مسارات سردية مختلفة، ولا يعود السؤال متعلقًا بما حدث فقط، بل بمن يروي ما حدث، ومن أي موقع يرويه، وما الذي يمكن للقارئ أن يثق به من بين الروايات المتعددة.
أود هنا إيضاح أنه يمكن أن يتعدد الرواة وأن لا تتعدد الأصوات، بمعنى أن يتعدد الرواة في حين يحمل كل منهم نفس الرأي حول حادثة معينة، إلا أن الرواة في "ضحايا الحكايات" تتعدد وجهات نظرهم.
الراوي غير الموثوق: حين يهدم السارد سلطته بنفسه
تصل ثيمة غياب اليقين إلى مستوى أكثر وضوحا من خلال تقنية الراوي غير الموثوق، وهي تقنية تجعل القارئ غير قادر على التسليم الكامل بما يرويه السارد، بسبب مشكلات في الذاكرة أو الفهم أو التوثيق أو بسبب اعترافه الصريح بحدود معرفته.
في قصة "السراب"، نواجه منذ اللحظة الأولى راويا يشك في قدرته على الفهم، وينسف موثوقيته بنفسه عندما يقول: "وحين حاولت أن أروي كلامها، اكتشفت بأني لا أرويها، بل أروي ما فهمته منها، ولم أكن متأكدا من أني فهمت شيئا"( ص. 9). تكمن أهمية هذا القول في أن الراوي لا يكتفي بنقل الأحداث، بل يكشف للقارئ حدود معرفته بها. فهو لا يدعي امتلاك الحقيقة، وإنما يقر بأن ما يقدمه ليس كلام الشخصية كما قيل، بل ما فهمه هو من كلامها، ثم يذهب أبعد من ذلك حين يشكك في صحة فهمه نفسه. وبذلك تنتقل حالة الشك من مضمون الحكاية إلى فعل روايتها.
في قصة "وطن مؤجل"، يتعزز هذا الاضطراب من خلال غياب مصدر العبارة المحورية "وطنك كبير ودافئ". فمن قائلها؟ وأين سُمعت؟ هل قيلت في المدرسة أم رويت عن الأب؟ ويبدأ الشك في أن العبارة ربما لم تُقل أصلا في الواقع، الأمر الذي يضعف مرجعية السارد ويخرجه من إطار الراوي العليم إلى راوٍ مشكوك في أصل مروياته.
أما في قصة "حضن بارد"، فتصل عدم موثوقية الراوي إلى مستوى آخر من خلال مشكلة الذاكرة والتوثيق. فهو يروي واقعة خروج شخص من وطنه واحتضان دولة أخرى له، ثم يعلق بقوله: "هكذا سيكتب..." وبعد ذلك يذكر أن المنفي "لم يشعر بالغربة " لكن الراوي يعود ليتراجع ويؤكد أنه لا يتذكر أين قرأ هذه الجملة، وهل كتبت فعلا أم أنها لم تكتب أصلا. وهنا لا يعود القارئ أمام راوٍ يجهل الحقيقة فحسب، وإنما أمام راوٍ يشكك في مصدر المعلومة وفي وجودها أصلا، وهو ما يجعل فعل التلقي نفسه قائما على الاحتمال.
التشكيك الميتاسردي: النص يشكك في حكايته
تتمثل التقنية الرابعة في التشكيك الميتاسردي، حيث لا يكتفي النص برواية الحكاية، وإنما يجعل فعل السرد ومرجعياته وآليات كتابته موضوعا للمساءلة. وبذلك ينكسر وهم استقلال الحكاية عن فعل كتابتها، ويتحول القارئ من متلق للحكاية إلى طرف في عملية مساءلة مصدرها وصدقها.
في قصة "وطن مؤجل"، يتجلى هذا المسار من خلال تنصل السارد من مسؤوليته عن عبارة "وطنك كبير ودافئ"، ثم توجهه بالخطاب المباشر إلى المتلقي، فيقول: "وأنتِ الذي تقرأ الآن، هل وصلت إلى هذه الجملة للمرة الأولى؟". هنا لا يعود القارئ خارج الحكاية تماما، بل يصبح جزءا من السؤال الذي يطرحه النص حول مصدر العبارة ومرجعيتها.
إن هذا السؤال لا يبحث عن إجابة داخل العالم الحكائي وحده، وإنما يدفع القارئ إلى التفكير في علاقته بالنص نفسه: هل سبق أن قرأ هذه العبارة؟ هل هي موجودة في نص آخر؟ هل يتذكرها؟ ومن أين جاءت؟ وهكذا يتحول فعل القراءة إلى جزء من لعبة الشك التي يقيمها النص.
وفي قصة "حضن بارد"، يظهر التفكيك الميتاسردي من خلال الحوار الذي يشكك في التدوين ذاته وفي صدق الكلمات المدونة على الورق. ويتساءل السارد عن العبارة المتعلقة بالمنفي: "لم يشعر بالغربة"، من قالها؟ وأين قيلت؟ ثم يتوجه إلى المتلقي بقوله: "وأنت الذي تقرأ الآن، هل مرت بك؟"( ص. 79)
وهنا يبلغ التشكيك مستوى يتجاوز الأحداث والشخصيات إلى النص ذاته؛ فالقارئ لا يُطلب منه أن يسأل: ماذا حدث؟ فقط، بل أن يسأل أيضا: هل قيل هذا أصلا؟ وهل قرأته من قبل؟ ومن أين جاءت هذه العبارة؟ وبذلك تصبح الكتابة نفسها موضعا للشك، ويصبح القارئ شريكا في إنتاج السؤال بدل أن يكون متلقيًا لإجابة جاهزة.
وبذلك، يُعدّ استخدام الميتاسرد (ما وراء القص) دلالةً جوهرية على غياب اليقين؛ فهو يضع القارئ أمام حدّ فاصل بين عالمين: عالم الحقيقة الخارجي (خارج النص)، وعالم الخيال القصصي داخل النص. ومن خلال هذا الوعي المزدوج، يدرك المتلقي أن النص لا يقدّم حقيقةً مطلقة أو ناجزة، بل هو فضاء خيالي مفتوح يقع فيه فعل الكتابة ذاته تحت طائلة المساءلة والشك.
تكشف قراءة هذه التقنيات أن غياب اليقين في "ضحايا الحكايات" ليس ثيمة منفصلة عن البناء الفني، وإنما هو نتيجة مباشرة لطريقة بناء الحكاية. فالكاتب لا يقول للقارئ إن الحقيقة نسبية ثم يواصل تقديمها من خلال راو عليم وموثوق، وإنما يجعل النسبية والشك جزءًا من آليات السرد نفسها. فتعدد الأصوات يمنع الرؤية الواحدة من احتكار تفسير الحدث، وتعدد الرواة يوزع الحكاية على أكثر من مصدر، والراوي غير الموثوق يضعف الثقة في المصدر السردي، بينما يأتي التشكيك الميتاسردي ليذهب أبعد من ذلك، فيضع فعل الحكي والكتابة والقراءة نفسه موضع السؤال.
بذلك تتكامل التقنيات الأربع في إنتاج حالة سردية لا تمنح القارئ يقينا نهائيا، بل تدفعه إلى المشاركة في البحث عن الحقيقة. فالحقيقة في هذه النصوص لا تصل إلى المتلقي مكتملة، وإنما تتشكل من خلال التعدد والتعارض والشك والاحتمال.
تقدم مجموعة "ضحايا الحكايات " نموذجا واضحا لاستثمار التقنية السردية في بناء الدلالة؛ إذ لا تأتي ثيمة غياب اليقين من مضمون الحكايات وحده، وإنما تتجسد في طريقة روايتها وبنائها وتقديمها إلى القارئ. هكذا يصبح القارئ أمام عالم لا تقدم فيه الحقيقة بوصفها يقينا جاهزا، وإنما بوصفها سؤالا مفتوحا. فالكاتب لا يلغي وجود الحقيقة، بل يشكك في قدرتنا على الوصول إليها دائما، وفي قدرتنا على امتلاك رواية واحدة نهائية عنها. إن اليقين موجود دون شك، ولكن الجهل والصدمات قد تغيّبه عن وعينا، فنحسب أن الحقيقة غائبة، بينما قد يكون الغائب هو قدرتنا على رؤيتها.
