بقلم م نبيل إبراهيم حداد
قراءة سياسية وأمنية في عملية «الردع الأردني – حمود» ودلالاتها الاستراتيجية والاستخباراتية
لم تكن الجريمة الإرهابية التي استهدفت المشاركين في جنازة بكنيسة حمود في محافظة الكرك يوم الجمعة 23 تشرين الأول 2026 مجرد اعتداء على مواطنين آمنين، بل كانت اعتداءً على الأردن بأسره، وعلى أمنه الوطني ونسيجه الاجتماعي وقيمه الراسخة.
فأبناء الكرك الذين سقطوا في هذه الجريمة هم أبناء الوطن جميعاً، ولا يجوز اختزال مأساتهم في انتمائهم الديني. لقد استهدف الإرهاب مواطنين أردنيين كانوا يؤدون واجباً إنسانياً، في محاولة لبث الخوف وإثارة الانقسام في مجتمع عُرف بتماسكه وتضامنه.
وعندما أعلنت القوات المسلحة الأردنية، في 26 تشرين الأول، تنفيذ عملية «الردع الأردني – حمود» ضد مواقع لتنظيمات إرهابية في الجنوب السوري، كانت تؤكد رسالة واضحة: أن أمن المواطن الأردني ليس مسألة قابلة للمساومة، وأن وجود الجهات المتورطة في الاعتداء خارج الحدود لا يجعلها بمنأى عن الملاحقة.
لكن هذه العملية تفتح أيضاً نقاشاً استراتيجياً حول طبيعة التهديدات العابرة للحدود، ودور المعلومات الاستخباراتية في مواجهتها، وكيفية الجمع بين الحزم العسكري والحكمة السياسية، دون تحويل المواجهة مع الإرهاب إلى خلاف مع الدولة السورية.
الردع الأردني: رسالة أمنية تتجاوز العملية العسكرية
جاءت العملية الجوية بعد جريمة صادمة، وفي ظل إعلان القوات المسلحة الأردنية وجود ارتباط بين منفذي الاعتداء وتنظيمات إرهابية تنشط في الجنوب السوري.
ومن الطبيعي أن تتعامل الدولة مع مثل هذه المعلومات باعتبارها تهديداً جدياً لأمنها الوطني، خصوصاً عندما تشير التقديرات الاستخباراتية إلى وجود شبكات توفر التخطيط أو التمويل أو التوجيه لعناصر تعمل داخل المملكة.
ومن الناحية الاستراتيجية، حملت العملية ثلاث رسائل أساسية: تأكيد قدرة الأردن على التعامل مع مصادر التهديد، وردع التنظيمات التي قد تفكر في تنفيذ اعتداءات مشابهة، وتعطيل البنية العملياتية التي تساعد على إعداد الهجمات الإرهابية.
فالردع لا يعني مجرد استخدام القوة، بل إقناع الجهات المعادية بأن تكلفة الاعتداء ستكون أكبر من المكاسب التي تتوقعها.
ومع ذلك، فإن نجاح الردع لا يُقاس بعدد المواقع التي دُمرت، وإنما بمدى انخفاض التهديد الإرهابي مستقبلاً. ولذلك ينبغي أن تتكامل العمليات العسكرية مع جهود الاستخبارات والتحقيقات والتعاون الحدودي والإجراءات الوقائية.
فالقوة العسكرية تحمي الدولة من الأخطار المباشرة، بينما تضمن الاستراتيجية الأمنية المتكاملة استمرار الحماية ومنع تكرار الاعتداءات.
بصمة الاتصالات: بين المؤشرات الاستخباراتية وإثبات المسؤولية
نشر بتاريخ 27 تشرين الأول، تقريراً بعنوان «بصمة الإشارة: كيف أثبتت شبكات الاتصال تورط درعا في تفجير الكرك؟»، تناول ما وصفه ببيانات استخبارات الإشارات (SIGINT)، التي تربط بين نشاط اتصالات في منطقة درعا السورية والهجوم الإرهابي في الكرك.
وأشار التقرير إلى ارتفاع النشاط الاتصالي في درعا بنسبة 33.3% عند إحدى الذروات، ثم انخفاضه بنسبة 56%، إضافة إلى تسجيل ارتفاع بنسبة 80% في نشاط إشارة من منطقة الكرك لمدة قصيرة.
وفسّر التقرير هذه المؤشرات باعتبارها مرتبطة بإصدار تعليمات التنفيذ، ثم الانتقال إلى الصمت الإلكتروني، وأخيراً إرسال إشارة تؤكد إتمام العملية.
ولا شك أن استخبارات الاتصالات تمثل أداة مهمة في كشف الشبكات الإرهابية، خصوصاً أن العمليات الحديثة قد تعتمد على توزيع الأدوار بين جهات تخطط وتمول وتوجه، وأفراد يتولون التنفيذ داخل الدولة المستهدفة.
لكن التحليل الفني يتطلب معرفة طبيعة الشبكات المرصودة، والأجهزة المستخدمة، والعلاقات بين مستخدميها، والتسلسل الزمني للاتصالات. كما أن ارتفاع النشاط أو انخفاضه لا يثبت وحده وجود أوامر عملياتية ما لم تدعمه قرائن إضافية.
ومن المهم التمييز بين المعلومات التي تمتلكها الأجهزة الأمنية المختصة، وبين التحليلات الصحفية التي تحاول تفسير بعض المؤشرات المتاحة.
وقد تكون لدى الأجهزة الأردنية معلومات استخباراتية أكثر تفصيلاً لا يمكن نشرها حفاظاً على مصادر المعلومات وأساليب العمل الأمني.
وعليه، فإن تقرير «بصمة الإشارة» يسلط الضوء على احتمال وجود شبكة تنسيق عابرة للحدود، لكنه لا يغني عن الأدلة الاستخباراتية والتحقيقية اللازمة لإثبات طبيعة ذلك الارتباط.
وهذا التمييز لا ينتقص من القرار العسكري الأردني، بل يعزز أهمية الاستناد إلى معلومات دقيقة في التعامل مع تهديدات تمس الأمن الوطني.
التنظيمات الإرهابية ومسؤولية الدولة السورية
يثير الحديث عن وجود شبكات إرهابية في درعا سؤالاً يتعلق بمسؤولية السلطات السورية عن النشاط الذي يجري داخل أراضيها.
وهنا ينبغي التمييز بين وجود تنظيمات إرهابية في منطقة معينة، وبين ثبوت ارتباطها بمؤسسات الدولة السورية.
فوجود جماعات مسلحة داخل الأراضي السورية لا يعني بالضرورة أن الحكومة تديرها أو تتبنى أهدافها، مثلما أن عدم ارتباط تلك الجماعات بالحكومة لا يعفي السلطات من مسؤولية العمل على منع استخدام أراضيها للاعتداء على الدول المجاورة، وفق قدراتها والتزاماتها القانونية.
ومن مصلحة الأردن أن تتوافر في سوريا مؤسسات أمنية قادرة على ضبط الجنوب السوري، وملاحقة التنظيمات الخارجة عن القانون، والتعاون مع الأجهزة الأردنية في مواجهة الأخطار المشتركة.
كما أن مصلحة دمشق تقتضي منع الجماعات المسلحة من تعريض علاقاتها مع الأردن للخطر.
ولذلك فإن المواجهة ينبغي أن تبقى موجهة إلى التنظيمات الإرهابية نفسها، دون أن تتحول تلقائياً إلى مواجهة سياسية مع الدولة السورية.
الخلاف حول التنسيق العسكري
أشار البيان الأردني إلى أن العملية نُفذت بالتنسيق مع الحكومة السورية، بينما صدرت عن دمشق تصريحات تنفي حصول تنسيق مسبق بشأن الغارات.
وهذا التباين يستحق المعالجة عبر القنوات الرسمية، لأنه يتعلق بالعلاقات الأمنية بين دولتين تجمعهما حدود طويلة ومصالح مشتركة.
وقد يكون من الضروري توضيح طبيعة الاتصالات التي سبقت العملية، ومدى شمولها للأهداف والإجراءات العسكرية، دون المساس بسرية المعلومات الأمنية.
لكن الأهم هو ألا يحجب هذا الخلاف الهدف المشترك المتمثل في مكافحة الإرهاب ومنع استخدام الأراضي السورية منطلقاً للاعتداء على الأردن.
إن التعاون الأمني بين عمان ودمشق ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة استراتيجية يفرضها الواقع الجغرافي والتحديات المشتركة.
ومن شأن إنشاء آلية دائمة لتبادل المعلومات والتعامل السريع مع التهديدات أن يقلل احتمالات سوء الفهم والحاجة إلى عمليات عسكرية مستقبلية.
الضحايا المدنيون والاعتبارات الإنسانية
تحدثت تقارير سورية عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال، نتيجة الغارات الأردنية، في حين أوضح البيان العسكري الأردني أن العملية استهدفت مواقع لتنظيمات إرهابية وعناصرها ومعداتها.
وتستدعي هذه المسألة التحقق من الوقائع وظروف الاستهداف، بعيداً عن الاستنتاجات المتسرعة.
فالاهتمام بالضحايا المدنيين لا يعني إدانة العملية الأردنية أو التشكيك في دوافعها الأمنية، بل يعكس الالتزام الإنساني والقانوني الذي ينبغي أن يحكم العمليات العسكرية.
ومن الممكن معالجة الآثار الإنسانية عبر التواصل بين الجهات المختصة في البلدين، بما يحفظ كرامة الضحايا ويمنع استغلال الحادثة لإثارة العداء بين الشعبين.
إن حماية أمن الأردنيين والحرص على سلامة المدنيين السوريين هدفان يمكن العمل على تحقيقهما معاً.
استقرار سوريا مصلحة وطنية أردنية
يصعب فهم العملية الأردنية بمعزل عن العلاقة الاستراتيجية بين الأردن وسوريا.
فالأردن ليس مراقباً بعيداً للتطورات السورية، بل جار تحمل طوال سنوات الأزمة أعباء أمنية واقتصادية وإنسانية كبيرة، شملت تدفقات اللاجئين وتعطل التجارة وتزايد التحديات الحدودية.
ولهذا فإن استقرار سوريا واستعادة مؤسساتها قدرتها على ضبط الأراضي والحدود يمثلان مصلحة أردنية مباشرة.
ومن المهم ألا تُفسر العملية الجوية باعتبارها خروجاً عن هذه المصلحة، بل باعتبارها إجراءً أمنياً موجهاً، وفق البيان العسكري، ضد تنظيمات اعتُبرت مصدراً للتهديد.
وقد أدى التصعيد إلى إعلان إغلاق معبر نصيب الحدودي، الأمر الذي يوضح سرعة انتقال آثار الأحداث الأمنية إلى حركة التجارة والنقل والعلاقات الثنائية.
ومن هنا، فإن استعادة الحركة الطبيعية عبر معبر جابر–نصيب، وتعزيز التنسيق الأمني، يجب أن يكونا من أولويات المرحلة المقبلة.
إن الأردن بحاجة إلى سوريا مستقرة وقادرة على حماية حدودها، كما أن سوريا بحاجة إلى علاقات مستقرة مع الأردن تدعم أمنها وتعافيها الاقتصادي.
تعزيز الأمن الداخلي واستكمال التحقيقات
لا ينبغي أن تحجب العملية العسكرية أهمية استكمال التحقيقات داخل الأردن لمعرفة جميع الظروف التي سمحت بتنفيذ جريمة الكرك.
ومن الضروري تحديد وسائل تجنيد المنفذين، ومصادر تمويلهم وتسليحهم، وطبيعة الاتصالات التي أجروها، ومدى حصولهم على دعم خارجي.
وهذه المراجعة لا تمثل انتقاداً للمؤسسات الأمنية، وإنما ممارسة مؤسسية ضرورية لتطوير الأداء والاستفادة من الدروس.
فمكافحة الإرهاب لا تقتصر على ملاحقة الجناة بعد تنفيذ جرائمهم، بل تتطلب تعزيز القدرة على اكتشاف المخططات مبكراً، وتطوير أدوات التحليل الاستخباراتي، ومواجهة التطرف عبر المؤسسات الأمنية والتعليمية والاجتماعية.
كما أن ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، والتزام تلك المؤسسات بالقانون، يشكلان جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الوطني.
الكرك ووحدة الموقف الوطني
يبقى البعد الوطني والإنساني لجريمة حمود أكبر من جميع النقاشات السياسية والعسكرية.
لقد استهدف الإرهاب مواطنين أردنيين في مناسبة إنسانية، في محاولة لإشاعة الخوف وإضعاف الشعور بالأمان.
والرد الوطني ينبغي أن يتجسد في تأكيد وحدة الأردنيين، ورفض تحويل الجريمة إلى مناسبة للتفرقة الدينية أو الاجتماعية.
فالكرك جزء أصيل من التاريخ والهوية الأردنية، وأبناؤها، مهما اختلفت معتقداتهم، هم أبناء وطن واحد، يشتركون في حقهم بالحياة والأمن والكرامة.
إن التضامن مع أهالي الضحايا، ومساندة المصابين، والحفاظ على النسيج الاجتماعي، يمثل امتداداً للجهود التي تبذلها الدولة في مواجهة الإرهاب.
فالغاية التي يسعى إليها الإرهابيون لا تقتصر على إيقاع الضحايا، وإنما تشمل محاولة إحداث شرخ داخل المجتمع. ومن هنا، فإن وحدة الأردنيين هي إحدى أهم وسائل إفشال مخططاتهم.
الخاتمة: الردع العسكري والحكمة السياسية
إن عملية «الردع الأردني – حمود» تؤكد تصميم الدولة الأردنية على مواجهة التهديدات التي تستهدف مواطنيها، واستعداد قواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية للتعامل مع مصادر الخطر.
ولا ينبغي أن يتحول النقاش حول العملية إلى تشكيك في حق الأردن في حماية أمنه، أو إلى تقليل من خطورة الجريمة التي استهدفت أبناء الكرك.
وفي الوقت ذاته، فإن الخبرة السياسية والعسكرية الأردنية تتيح إدارة هذه المرحلة بطريقة تجمع بين الحزم الأمني والحكمة الدبلوماسية.
فالهدف ليس الدخول في مواجهة مع سوريا، وإنما منع التنظيمات الإرهابية من استغلال أراضيها لتهديد المملكة.
وتبقى الأولوية لاستكمال التحقيقات، وتحديد الشبكات المسؤولة، وتعزيز التعاون مع دمشق، ومعالجة التداعيات الإنسانية والاقتصادية للعملية، بما يحفظ مصالح البلدين.
إن قوة الأردن لا تتجسد في قدرته العسكرية على الردع فحسب، بل أيضاً في قدرته السياسية على منع الإرهاب من تحويل عملية أمنية محددة إلى أزمة إقليمية أوسع.
فالأردن القوي هو الذي يحمي مواطنيه، ويحافظ على سيادته، ويستخدم إمكاناته العسكرية والاستخباراتية بحكمة، ويبني علاقات إقليمية تساعده على تحقيق الأمن المستدام.
ولعل أعظم وفاء لأبناء الكرك الذين فقدوا حياتهم في جريمة حمود هو أن تتحول هذه المأساة إلى دافع لتعزيز الأمن الوطني، وترسيخ الوحدة المجتمعية، وتطوير التعاون الإقليمي في مواجهة الإرهاب.
فالأردن لا يحتاج إلى مواجهة مع سوريا، وسوريا لا تحتاج إلى خصومة مع الأردن. وكلاهما يحتاج إلى حدود آمنة ودولة مستقرة وتعاون يحول دون تكرار ما حدث في الكرك.
