روان صفيرة :
حين يكون الوطن في حداد، يجب أن تتقدم قيم التآخي والإنصاف على محاكمات مواقع التواصل، من دون إلغاء حق الناس في النقاش وإبداء الرأي.
في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي قادرة على تحويل عبارة واحدة إلى قضية رأي عام، بات من الضروري أن نتوقف قليلًا قبل إصدار الأحكام، وأن نمنح المواقف سياقها الكامل، بعيدًا عن الانفعال والتسرع والمبالغة في النقد.
هذا ما يفرض نفسه اليوم في الجدل الدائر حول وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، الدكتور محمد الخلايلة، عقب رده خلال تقديم واجب العزاء لذوي ضحايا الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة في قرية حمود بمحافظة الكرك، حين وصف بالمتطرفين من يقولون بعدم جواز الترحم على المسيحيين.
وبعيدًا عن اختلاف الآراء حول العبارة ودلالاتها الدينية، فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل من الإنصاف أن نختزل موقف مسؤول كاملًا في عبارة قيلت خلال لحظة إنسانية شديدة الحساسية، ونتجاهل السياق الذي قيلت فيه، والموقف العام الذي جاء في إطاره؟
الكرك لم تكن حكاية مسلمين ومسيحيين، بل حكاية وطن جُرح في أبنائه.
فالضحايا أردنيون، ومصاب ذويهم مصاب كل بيت أردني، والحزن الذي خيّم على الكرك تجاوز حدود الدين والطائفة، ليؤكد أن الدم الأردني واحد، وأن المصاب حين يقع لا يستأذن هوية الإنسان أو معتقده.
ومن هذا المنطلق، فإن زيارة وزير الأوقاف لبيت العزاء، ومواساته لأهالي الضحايا، تأتي في إطار الواجب الوطني والإنساني، الذي يقتضي الوقوف إلى جانب أهل الفقد، والتأكيد أن الإرهاب لا دين له، وأن استهداف الأبرياء ودور العبادة مرفوض دينيًا وأخلاقيًا ووطنيًا.
وقد أكد الخلايلة، في مواقفه المعلنة عقب الحادثة، أن الاعتداء مصاب وطني أصاب الأردنيين جميعًا، مشددًا على أن المسلمين والمسيحيين تجمعهم رابطة الوطن والمصير المشترك. وهي مواقف تستحق أن تكون حاضرة في أي قراءة منصفة لما جرى.
أما بشأن العبارة التي أثارت الجدل، فمن حق الناس مناقشتها، ومن حق المختصين في الشأن الشرعي توضيح المسائل الفقهية المتعلقة بها، بعيدًا عن التعميم والتجريح. لكن من الضروري أيضًا التمييز بين الخلاف الفقهي حول حكم شرعي، وبين توظيف هذا الخلاف في خطاب الكراهية أو التحريض على أبناء الوطن الواحد.
فالمسائل الدينية لها سياقاتها وأهل الاختصاص فيها، أما التعامل مع أهل المصاب فيحتاج إلى الحكمة، ومراعاة المشاعر، وحسن اختيار العبارة. وإذا رأى البعض أن التعبير لم يكن موفقًا، فإن مناقشة ذلك بهدوء وموضوعية تبقى أكثر فائدة من تحويل النقاش إلى حملة تستهدف الشخص وتاريخه وكفاءته.
إنصاف المسؤول لا يعني منحه حصانة من النقد، كما أن نقده لا يعني إهدار كل ما له من مواقف.
فالمسؤول، مهما بلغت خبرته ومكانته، يظل بشرًا قد يختلف الناس معه في تعبير أو اجتهاد، ومن حق المجتمع أن يناقش أداءه ويقيّم مواقفه. لكن العدالة تقتضي أن يكون التقييم شاملًا، لا انتقائيًا، وأن نفرّق بين النقد المسؤول والتشهير، وبين مساءلة الموقف وإلغاء صاحبه.
ولا يجوز أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى محاكم تصدر أحكامًا نهائية على الأشخاص من خلال مقاطع مجتزأة أو عبارات منفردة، قبل النظر إلى المشهد كاملًا، والتحقق من السياق، وقراءة المواقف الأخرى ذات الصلة.
لسنا مطالبين بالاتفاق مع كل ما يقوله المسؤول، ولسنا مضطرين إلى الدفاع عن كل عبارة تصدر عنه، لكننا مطالبون بالعدل في أحكامنا، وبالاعتراف بأن مسيرة أي إنسان لا تختصرها لحظة واحدة، وأن النقد حين ينفصل عن الموضوعية قد يتحول من وسيلة للتصويب إلى أداة للهدم.
وفي المقابل، فإن مراعاة حساسية المقام لا تنتقص من مكانة العلم الشرعي، بل تؤكد أن العالم والمسؤول الديني مطالبان بالجمع بين وضوح الموقف، ودقة التعبير، والحكمة في مخاطبة الناس، ولا سيما في لحظات الفقد والألم.
الأردن أكبر من سجال عابر، ووحدته الوطنية أعمق من أن تهزها عبارة أو حملة إلكترونية.
لقد أثبت الأردنيون، في مختلف المحطات الصعبة، أن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم، وأن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين ليست شعارًا موسميًا، بل جزء أصيل من تاريخ هذا البلد وهويته الوطنية.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس جلد الذات، ولا تخوين المختلفين، ولا إغلاق باب النقد، بل إدارة الخلاف بعقلانية، وحماية مشاعر ذوي الضحايا، والتصدي لكل خطاب يزرع الكراهية، مع منح الجميع حقهم في النقاش المنصف.
أما الدكتور محمد الخلايلة، فإن تقييمه ينبغي أن يكون على أساس مسيرته وأدائه ومواقفه مجتمعة، لا من خلال عبارة واحدة بمعزل عن سياقها. فمن أراد النقد فليكن نقده موضوعيًا، ومن أراد الإنصاف فليقرأ المشهد كاملًا، ومن أراد مصلحة الوطن فليجعل وحدته واستقراره فوق اعتبارات السجال والانتصار للرأي.
فليس المطلوب أن نتوقف عن النقد، بل أن نتعلم كيف ننتقد دون أن نظلم، وكيف نختلف دون أن نهدم، وكيف نحفظ للوطن وحدته وللإنسان كرامته.
