في لواء دير علا بمحافظة البلقاء الاردنية تتجلى واحدة من اكثر القصص الانسانية اثارة للدهشة حيث تعيش عشيرة الغراغير واقعا استثنائيا ارتبط بوراثة فقدان البصر الذي طال نحو 100 شخص من ابنائها. هذا التحدي الجيني لم يقف حاجزا امام طموح افراد العشيرة الذين رسموا طريقهم بتميز بعيدا عن نظرات الشفقة او الانكسار. واظهرت الشهادات الميدانية ان حالة فقدان البصر في العشيرة ليست مجرد رقم بل هي رحلة كفاح بدات منذ عقود وتوارثتها الاجيال وسط سعي حثيث لفهم الاسباب العلمية لهذه الظاهرة.

وكشف الدكتور منور الغراغير رئيس جمعية الرؤى للمكفوفين والمعلم في وزارة التربية والتعليم ان ابحاثا وفحوصات جينية بدات منذ العام 1993 بالتعاون مع جهات طبية واكاديمية اردنية للبحث في جذور الحالة. واضاف موضحا ان الدراسات ربطت هذه الظاهرة بالجين رقم 18 مبينا ان احتمالات ظهور الاعاقة تزداد بشكل كبير مع ارتفاع درجة القرابة بين الزوجين داخل العائلة الواحدة.

واكد منور ان درجات الاعاقة تتفاوت بين افراد العشيرة لتتراوح بين الضعف المتوسط وفقدان البصر الكلي مشددا على ان العائلة لم تستسلم لهذا الواقع بل واجهته بتحدي التعليم والاندماج في المجتمع. واوضح ان والده لعب دورا محوريا في هذا المسار حيث اصر على تعليم ابنائه وارسالهم الى مدارس خاصة في العاصمة عمان رغم كل الصعوبات والتحذيرات التي تلقاها في ذلك الوقت.

ارادة تتجاوز حدود العتمة

وبين منور ان والدته كانت مثالا للتضحية والصبر حيث كانت تطفئ الانوار ليلا لتشعر بما يشعر به ابناؤها وتشاركهم تفاصيل حياتهم اليومية. واضاف ان والده كان حريصا على غرس قيم الاعتماد على النفس في نفوس ابنائه ليثبتوا للمجتمع انهم قادرون على بناء مستقبلهم بانفسهم ومواجهة كافة الصور النمطية السلبية.

وتابع ربيع الغراغير وهو امام مسجد كفيف قصة نجاح اخرى حيث يمتلك مهارات استثنائية في الاصلاح والصيانة المنزلية. واكد انه لا يحتاج لاحد في منزله اذ يتولى بنفسه اصلاح خطوط المياه والكهرباء وتركيب التمديدات والمراوح بل ويمتد نشاطه لمساعدة اصدقائه في تركيب الاثاث وصيانة اجهزة الصوت في المساجد.

واشار ربيع الى ان شغفه بتعلم المهن جعله يتجاوز عقبة فقدان البصر ليصبح عنصرا فاعلا في محيطه. واضاف ان الاستقلالية هي العنوان الابرز لحياة ابناء العشيرة الذين يرفضون ان تكون الاعاقة سببا في تعطيل مسيرتهم المهنية او الاجتماعية.

مواهب تبدع في التفاصيل

وكشفت سمر الغراغير عن جانب اخر من حياة العشيرة حيث تمارس هواية الخياطة بمهارة فائقة. واوضحت انها تعلمت استخدام الابرة والخيط وتستطيع ادخال الخيط في الابرة بسرعة لافتة مؤكدة ان هذا العمل يمنحها شعورا كبيرا بالاستقلالية والانجاز.

واكد فادي الغراغير ان قصته التعليمية هي خير دليل على الاصرار حيث عاد الى مقاعد الدراسة بعد انقطاع دام اكثر من 30 عاما. واضاف انه تمكن من الحصول على شهادة الثانوية العامة بمعدل 71 وواصل مسيرته ليصبح اماما وخطيبا في المساجد لسنوات طويلة.

وبين عادل جميل سالم الغراغير انه يعمل في مركز البحوث الزراعية وهو شاعر وموظف متزوج ولديه طفلان مبصران. واكد ان تجربة الجيل الجديد في العشيرة تعكس وعيا متزايدا بمخاطر زواج الاقارب وهو ما يساهم تدريجيا في تغيير الواقع الصحي للعائلات القادمة.

تكنولوجيا تفتح ابواب المستقبل

واظهر عمر الغراغير الشاب العشريني الذي يدرس الارشاد النفسي قدرات تقنية عالية في مجال مونتاج الفيديو والبرمجة. واضاف انه تجاوز مرحلة الخوف من الاعاقة ليصل الى حالة من التصالح التام مع الذات والرضا عن حياته الحالية.

واكد عبد الكريم الغراغير البالغ من العمر 24 عاما ان فقدان البصر لم يمنعه من ممارسة شغفه بكرة القدم. واضاف انه يعتمد على حاسة السمع وصوت المعلق ليلعب العاب الفيديو على جهاز البلايستيشن وينافس اشخاصا مبصرين ويفوز عليهم بفضل تركيزه العالي.

واوضح منور الغراغير في ختام حديثه ان طموحهم لم يتوقف عند الفرد بل شمل العمل الجماعي من خلال جمعية الرؤى للمكفوفين. واضاف انهم يسعون جاهدين لتجاوز عقبات البنية التحتية لاعادة بث اذاعتهم المجتمعية التي تعتبر نافذة هامة للتواصل مع المجتمع ونشر رسالة الامل والتحدي التي تمثل جوهر حياة ابناء الغراغير.