بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
أقرّ مجلس الوزراء الأردني، في جلسته المنعقدة يوم الأحد الأول من تشرين الثاني 2026، نظام السلامة العامة في منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة لسنة 2026، بهدف تعزيز متطلبات السلامة في المنشآت الاقتصادية والصناعية والسياحية والمرافق العامة والمباني والمدارس والمخيمات السياحية وغيرها من الأنشطة.
ومن حيث المبدأ، فإن تطوير منظومة السلامة العامة يمثل ضرورة وطنية، خصوصاً في منطقة تتمتع بأهمية اقتصادية واستثمارية وسياحية كالعقبة. فالسلامة ليست ترفاً إدارياً، ولا مجرد اشتراط للحصول على ترخيص، وإنما مسؤولية أساسية تقع على عاتق الدولة والمؤسسات وأصحاب المنشآت والعاملين فيها.
لكن قراءة ما أعلنته الحكومة تثير سؤالاً مهماً: هل نحن أمام منظومة متكاملة لإدارة السلامة العامة، أم أمام مجموعة إضافية من الاشتراطات والإجراءات الرقابية؟
إن الفرق بين الأمرين كبير. فقد تمتلك الدولة تشريعات وتعليمات كثيرة، ومع ذلك تستمر الحوادث بسبب ضعف التنفيذ، أو غياب المسؤولية المباشرة، أو عدم كفاية الرقابة، أو التعامل مع السلامة باعتبارها إجراءً شكلياً بدلاً من كونها جزءاً من الإدارة اليومية.
ولا بد من الإشارة إلى أن هذه القراءة تستند إلى ما أعلنته الحكومة ونشرته وسائل الإعلام، وليس إلى دراسة تفصيلية للنص القانوني الكامل. وبالتالي فإن النقاط التالية تمثل جوانب تحتاج إلى توضيح أو تعزيز في الخطة المعلنة، وليس حكماً مسبقاً بأنها غائبة عن جميع أحكام النظام.
أولاً: أين التقييم الشامل للمخاطر القائمة؟
تحدثت الحكومة عن إلزام المنشآت بتحليل المخاطر وتحديد مصادرها وتقييمها بصورة دورية. وهذا توجه ضروري، لكنه لا يجيب عن سؤال أساسي: هل أُجري تقييم شامل للمخاطر القائمة في منطقة العقبة قبل إعداد النظام؟
إن وضع نظام للسلامة يجب أن يبدأ بمعرفة الواقع الذي نسعى إلى تطويره.
فالعقبة تضم منشآت صناعية وموانئ ومستودعات ومرافق سياحية وفنادق ومناطق سكنية وشبكات نقل ومرافق عامة، ولكل منها طبيعة مختلفة من المخاطر.
والمطلوب إعداد سجل شامل للمخاطر على مستوى المنطقة، يحدد المنشآت والأنشطة الأكثر خطورة، ومدى جاهزيتها، وأوجه القصور القائمة، وأولويات المعالجة.
ولا يجوز التعامل مع مخيم سياحي صغير بالطريقة الرقابية نفسها التي نتعامل بها مع منشأة صناعية تتداول مواد خطرة، كما لا يجوز إخضاع جميع المنشآت لمتطلبات موحدة دون مراعاة طبيعة النشاط وحجم المخاطر.
إن الإدارة السليمة تبدأ بتحديد المخاطر الفعلية، وليس بمجرد إصدار تعليمات عامة للوقاية منها.
ثانياً: من المسؤول عن السلامة، ومن يحاسب عند الإخفاق؟
أشار الإعلان الحكومي إلى التنسيق بين الجهات المختصة والدفاع المدني والأمن العام وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة.
لكن التنسيق وحده لا يكفي.
ففي إدارة المشاريع والمنشآت الصناعية، لا يمكن أن تنجح أي منظومة ما لم تكن المسؤوليات والصلاحيات محددة بصورة واضحة.
من المسؤول عن إجراء تقييم المخاطر؟ ومن يعتمد نتائجه؟ ومن يتأكد من تنفيذ الإجراءات التصحيحية؟ ومن يملك صلاحية إيقاف نشاط يشكل خطراً مباشراً على الأرواح؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا وقع حادث نتيجة تجاهل تحذيرات سابقة؟
هذه ليست أسئلة إدارية ثانوية، وإنما تمثل جوهر الحوكمة والمساءلة.
والمطلوب تحديد مسؤوليات كل جهة، مع وجود آلية تنسيقية تمنع ازدواجية التفتيش وتضارب التعليمات وتكرار الموافقات.
كذلك ينبغي تحديد المسؤوليات داخل المنشآت نفسها، بدءاً من الإدارة العليا، مروراً بالمسؤولين الفنيين، وانتهاءً بالمشرفين والعاملين.
فالسلامة مسؤولية إدارية ومهنية لا يجوز اختزالها في موظف يحمل لقب مسؤول السلامة دون أن تكون لديه الصلاحيات أو الموارد اللازمة.
ثالثاً: أين المعايير الهندسية والفنية الموحدة؟
من أهم ما يحتاج إلى توضيح في الخطة الحكومية تحديد المرجعيات الفنية التي ستُستخدم في تقييم سلامة المنشآت.
فهناك فرق بين القول إن المنشأة يجب أن توفر وسائل مكافحة الحريق، وبين تحديد نوع هذه الوسائل وقدراتها ومواقعها ومتطلبات فحصها وصيانتها.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى أنظمة الإنذار، ومخارج الطوارئ، والمصاعد، والتجهيزات الكهربائية، والتهوية، والمواد الخطرة، ومرافق الترفيه.
لقد طورت المؤسسات الدولية معايير متخصصة يمكن الاستفادة منها، مثل ISO 45001 لإدارة السلامة والصحة المهنية، وISO 31000 لإدارة المخاطر، وISO 22301 لاستمرارية الأعمال، إضافة إلى معايير NFPA المتعلقة بالحماية من الحريق وسلامة الأرواح.
ولا أقصد بذلك استبدال الكودات الأردنية أو تعليمات الدفاع المدني، وإنما ضرورة توضيح المرجعيات المعتمدة وتكاملها، وتحديد المتطلبات الفنية المناسبة لكل نشاط.
كما يجب ألا تتحول المعايير الدولية إلى أعباء مالية إضافية دون دراسة، بل ينبغي اختيار المتطلبات التي تحقق الحماية الفعلية بأقل تكلفة معقولة، دون المساس بسلامة الأرواح.
رابعاً: أين البرنامج التنفيذي والجدول الزمني؟
هذه، في تقديري، إحدى أهم المسائل التي لم يوضحها الإعلان الحكومي.
فأي خطة، مهما كانت أهدافها سليمة، تحتاج إلى برنامج تنفيذي يحدد الأعمال المطلوبة، والجهات المسؤولة، والموارد اللازمة، والمواعيد المستهدفة، ومعايير قياس الإنجاز.
هل ستبدأ الحكومة بالمنشآت عالية الخطورة؟ وهل ستُمنح المنشآت القائمة فترات انتقالية لتصويب أوضاعها؟ وما الأولويات خلال السنة الأولى؟ وكيف ستُعالج المخالفات التي تحتاج إلى تعديلات إنشائية أو تجهيزات مكلفة؟
من غير العملي أن نطالب جميع المنشآت بتطبيق المتطلبات الجديدة بالوتيرة نفسها، كما أنه من غير المقبول تأجيل معالجة المخاطر الجسيمة بحجة الحاجة إلى وقت أو تمويل.
والمطلوب برنامج تنفيذي مرحلي، قائم على تصنيف المخاطر، يبدأ بالأخطار التي تهدد الأرواح مباشرة، ثم ينتقل إلى تحسين بقية عناصر المنظومة وفق جدول واضح.
فالنظام يحدد ما يجب عمله، أما البرنامج التنفيذي فيحدد كيف ومتى ومن المسؤول عن إنجازه.
خامساً: أين بناء القدرات والتأهيل المهني؟
لا يمكن تطبيق منظومة متقدمة للسلامة دون وجود كوادر مؤهلة.
فإعداد تقييم المخاطر، وتصميم خطط الإخلاء، وفحص أنظمة الحريق، ومراجعة السلامة الكهربائية، والتعامل مع المواد الخطرة، كلها أعمال تحتاج إلى معرفة فنية وخبرة عملية.
ولا يكفي أن نطلب من المنشآت تعيين مسؤول للسلامة دون تحديد الحد الأدنى لمؤهلاته وخبراته وصلاحياته.
كما أن المفتش الحكومي نفسه يحتاج إلى تدريب وتأهيل مستمرين، حتى يتمكن من التمييز بين المخالفات الشكلية والمخاطر الحقيقية.
ومن المناسب تطوير برامج تدريب وتأهيل بالتعاون مع نقابة المهندسين الأردنيين والجامعات ومؤسسات التدريب المهني والجهات المتخصصة، مع تحديد متطلبات الكفاءة وفق طبيعة المنشأة ومستوى خطورتها.
فالهدف ليس زيادة عدد الشهادات والدورات، وإنما ضمان وجود أشخاص قادرين على اتخاذ القرارات الفنية الصحيحة.
سادساً: أين قياس الأداء والشفافية؟
إن نجاح أي منظومة إدارية لا يقاس بعدد التعليمات التي تصدرها، ولا بعدد الزيارات التفتيشية وحده، وإنما بالنتائج التي تحققها.
ومن هنا، أقترح أن تعتمد سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة مؤشرات أداء رئيسية لقياس فعالية النظام، تشمل عدد الحوادث ومعدلات تكرارها وشدتها، ونسبة المنشآت التي أكملت تقييم المخاطر، ونسبة المخالفات عالية الخطورة التي جرت معالجتها، ومدى الالتزام بالصيانة الوقائية، ونتائج تمارين الإخلاء والاستجابة للطوارئ.
وينبغي نشر تقرير سنوي يوضح تطور هذه المؤشرات، مع المحافظة على المعلومات الأمنية والتجارية التي تستوجب الحماية.
كما يجب تحليل الحوادث والأحداث التي كادت تؤدي إلى حوادث، بهدف تحديد الأسباب الجذرية ومنع تكرارها.
فالحادث لا ينبغي أن ينتهي بإصلاح الضرر أو معاقبة المخالف، وإنما يجب أن يتحول إلى فرصة لتطوير الإجراءات ومنع وقوع حوادث مشابهة.
سابعاً: أين دراسة الأثر الاقتصادي على المنشآت؟
تحدث الإعلان الحكومي عن دور النظام في تعزيز الاستثمار واستدامة الأعمال، وهذا هدف مهم.
لكن لا بد من إدراك أن تطبيق اشتراطات السلامة قد يتطلب استثمارات مالية، خصوصاً في المنشآت القائمة التي تحتاج إلى تعديلات في المباني أو الأنظمة الكهربائية أو تجهيزات الإنذار والإطفاء.
ومن الضروري دراسة الأثر الاقتصادي لهذه المتطلبات على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحديد الوسائل التي تساعدها على تحقيق الامتثال دون تعريض استمراريتها للخطر.
ويمكن التفكير في برامج تصويب تدريجية، وإرشادات فنية موحدة، وتسهيلات مناسبة للمنشآت التي تحتاج إلى تحديث تجهيزاتها، مع إعطاء الأولوية المطلقة لمعالجة المخاطر الجسيمة.
إن السلامة الجيدة ليست بالضرورة الأكثر تكلفة، وإنما هي التي تعتمد على تصميم سليم، وإدارة فعالة، وصيانة منتظمة، واختيار الحلول الفنية المناسبة.
ثامناً: أين إدارة السلامة خلال دورة حياة المنشأة؟
ركز الإعلان على التفتيش والصيانة والطوارئ، لكن السلامة يجب أن تبدأ قبل تشغيل المنشأة.
فالمخاطر التي يمكن منعها أثناء التصميم تكون معالجتها، في كثير من الحالات، أسهل وأقل تكلفة من محاولة تصحيحها بعد الإنشاء والتشغيل.
ولهذا ينبغي ربط متطلبات السلامة بجميع مراحل المشروع: التخطيط، والتصميم، والتنفيذ، والاختبار والتشغيل التجريبي، والتسليم، والتشغيل والصيانة، وحتى التعديلات المستقبلية.
ويجب أن تشمل إجراءات التسليم التحقق من صلاحية أنظمة الحماية، وتوافر المخططات النهائية، وأدلة التشغيل والصيانة، وتدريب العاملين، وتحديد المسؤوليات التشغيلية.
فمن غير المنطقي أن نحاسب مشغل المنشأة وحده على مخاطر نشأت أساساً بسبب أخطاء تصميمية أو تنفيذية لم تُعالج قبل الاستلام، مع بقاء مسؤوليته عن المخاطر التي تقع ضمن نطاق إدارته.
تاسعاً: تجربة شخصية من الولايات المتحدة — السلامة شرط لبدء العمل
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، وخلال مشاركتي في أحد مشاريع الكابلات البحرية، قمنا باستئجار سفينة ذات عنبر شحن مفتوح (Open-Hatch Vessel) لتحميل كابلات اتصالات بحرية من أحد المصانع في الولايات المتحدة الأمريكية.
وكانت السفينة قد خضعت لبعض التعديلات المؤقتة لتتناسب مع طبيعة عملية تحميل الكابلات ونقلها.
وفور رسو السفينة عند رصيف المصنع، وقبل البدء بعملية تحميل الكابلات، حضر مفتش السلامة المختص، وأجرى تفتيشاً للسفينة وللتعديلات المؤقتة التي أُدخلت عليها.
وبعد المعاينة، طلب المفتش تنفيذ عدد من التعديلات الإضافية لضمان سلامة العاملين المشاركين في عملية التحميل.
وقد قمنا بتنفيذ جميع التعديلات المطلوبة، ولم يُسمح لنا بالبدء في سحب الكابلات من المصنع وتحميلها على السفينة إلا بعد استكمال متطلبات السلامة.
ما زلت أذكر هذه التجربة لأنها تقدم درساً مهماً في مفهوم الرقابة الوقائية.
فمفتش السلامة لم ينتظر وقوع حادث، ولم يكتفِ بمراجعة الوثائق أو التأكد من وجود خطة للسلامة، بل عاين ظروف العمل الفعلية، وحدد المخاطر المحتملة، وطلب معالجتها قبل السماح ببدء العملية.
ولم يكن الهدف تعطيل العمل أو فرض متطلبات إدارية إضافية، وإنما التأكد من أن العملية يمكن تنفيذها دون تعريض حياة العاملين لمخاطر غير مقبولة.
وتجسد هذه الواقعة ثلاثة مبادئ أساسية: التفتيش قبل بدء العمليات (Pre-Operational Safety Inspection)، وصلاحية منع العمل عند وجود مخاطر غير مقبولة (Stop-Work Authority)، والتحقق من تنفيذ الإجراءات التصحيحية قبل السماح باستئناف النشاط أو بدئه.
وهذا هو المفهوم الذي أرى ضرورة ترسيخه في منظومة السلامة العامة في الأردن: لا يكفي أن تكون المنشأة مرخصة أو أن تمتلك خطة للسلامة، بل يجب التأكد من أن ظروف العمل الفعلية آمنة قبل السماح ببدء العمليات التي تنطوي على مخاطر.
فالرقابة الحقيقية ليست تلك التي تكتشف المخالفات بعد وقوع الحوادث، وإنما التي تكشف مصادر الخطر وتلزم بمعالجتها قبل أن تتحول إلى إصابات أو خسائر.
عاشراً: أين الاستعداد للحوادث الكبرى والمخاطر المشتركة؟
لا يمكن النظر إلى السلامة العامة في العقبة بمعزل عن طبيعتها الجغرافية والاقتصادية.
فالمدينة تضم ميناءً ومناطق صناعية وسياحية وسكنية متقاربة، وهو ما يستدعي دراسة المخاطر التي قد تتجاوز حدود المنشأة الواحدة وتؤثر في مناطق أو أنشطة أخرى.
ومن الضروري أن تشمل منظومة السلامة سيناريوهات الحوادث الصناعية الكبرى، وتسرب المواد الخطرة، والحرائق واسعة النطاق، والسيول، والهزات الأرضية، وتعطل المرافق الحيوية.
وهنا لا تكفي خطة طوارئ مستقلة لكل منشأة، بل يجب أن توجد خطة متكاملة على مستوى المنطقة، تربط المنشآت والجهات الحكومية والخدمات الطبية والدفاع المدني وشبكات النقل والاتصالات.
كما ينبغي تنفيذ تمارين مشتركة تحاكي حوادث كبرى، لاختبار القدرة الفعلية على التنسيق واتخاذ القرار والاستجابة.
فقد تكون المنشأة مستعدة للتعامل مع حادث محدود داخل حدودها، لكنها غير قادرة وحدها على مواجهة حادث يمتد أثره إلى المنشآت المجاورة أو المناطق السكنية.
حادي عشر: لماذا العقبة وحدها؟
وهنا أصل إلى سؤال يتجاوز تفاصيل النظام نفسه.
إذا كانت الحكومة ترى ضرورة تطوير منظومة السلامة العامة في العقبة، فلماذا لا يجري النظر إلى السلامة العامة باعتبارها مشروعاً وطنياً متكاملاً؟
فالمخاطر لا تتوقف عند الحدود الإدارية لمنطقة العقبة الاقتصادية الخاصة.
لدينا في مختلف محافظات المملكة مصانع ومستشفيات ومدارس وجامعات ومجمعات تجارية ومنشآت سياحية ومرافق نقل وتجمعات سكنية تحتاج جميعها إلى إدارة فعالة للمخاطر.
ولا يعني ذلك أن الأردن يفتقر إلى التشريعات أو المؤسسات المختصة. فهناك كودات وتعليمات وجهات رقابية قائمة بالفعل، وفي مقدمتها الدفاع المدني والجهات المعنية بالسلامة المهنية والإنشائية.
لكن السؤال هو مدى التكامل بين هذه الأنظمة، ومدى انتظام تطبيقها، وقدرتها على منع الحوادث بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
وأرى أن تجربة العقبة يمكن أن تشكل فرصة لتطوير نموذج عملي قابل للتقييم، والاستفادة من نتائجه في تحسين منظومة السلامة العامة على المستوى الوطني.
من التشريع إلى الإدارة: ما الذي أقترحه؟
إنني لا أدعو إلى إنشاء مؤسسة حكومية جديدة، أو زيادة عدد اللجان، أو إضافة إجراءات بيروقراطية تثقل كاهل المستثمرين والمواطنين.
بل أدعو إلى التعامل مع النظام باعتباره مشروعاً مؤسسياً له أهداف واضحة ونتائج قابلة للقياس.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال اعتماد منهجية التحسين المستمر المعروفة باسم PDCA، والتي تقوم على أربع مراحل مترابطة:
التخطيط (Plan): دراسة الواقع، وتحديد المخاطر، وتصنيف الأولويات، ووضع الأهداف والبرامج التنفيذية.
التنفيذ (Do): تطبيق إجراءات الوقاية، وتأهيل الكوادر، وتوفير التجهيزات، وتنفيذ برامج التدريب والصيانة.
التحقق (Check): قياس الأداء، وتنفيذ التفتيش والتدقيق، وتحليل الحوادث، والتحقق من فعالية الإجراءات.
التحسين (Act): معالجة أوجه القصور، وتحديث الخطط، وتطوير التعليمات بناءً على النتائج والدروس المستفادة.
وهذه المنهجية لا تتطلب بالضرورة استحداث جهاز إداري جديد، وإنما تتطلب إدارة منضبطة وتحديداً واضحاً للمسؤوليات والصلاحيات.
كما أقترح أن تنشر الجهات المختصة برنامجاً تنفيذياً للنظام، يوضح مراحل التطبيق وأولوياتها ومؤشرات الأداء وآليات المراجعة، حتى يصبح بالإمكان تقييم النتائج بصورة موضوعية.
الخاتمة: لا نحتاج إلى المزيد من الأوراق بقدر حاجتنا إلى نتائج
إن إقرار نظام جديد للسلامة العامة يفتح المجال لتطوير العمل المؤسسي، لكنه لا يمثل بحد ذاته ضمانة لتحسن مستوى السلامة.
فالأنظمة والتشريعات أدوات، وليست غايات.
وقد تكون لدينا أفضل المواصفات الفنية، وأكثر خطط الطوارئ تفصيلاً، وأحدث أنظمة الإنذار والإطفاء، ومع ذلك تقع الحوادث إذا غابت الإدارة الفعالة والصيانة والرقابة والمساءلة.
إن ما أراه ناقصاً في الخطة الحكومية المعلنة ليس الحديث عن أهمية السلامة، فقد تناول الإعلان هذا الجانب بصورة واسعة، وإنما التفاصيل العملية التي تحول هذه الأهداف إلى برنامج قابل للتنفيذ والقياس والمحاسبة.
نحتاج إلى معرفة الوضع القائم، وتحديد المخاطر ذات الأولوية، وتوزيع المسؤوليات، ووضع برنامج زمني، وتأهيل الكوادر، وتوفير الموارد، ونشر النتائج.
وقبل كل ذلك، نحتاج إلى ترسيخ مفهوم أن السلامة مسؤولية تبدأ من الإدارة العليا ولا تنتهي عند المفتش أو مسؤول السلامة.
لقد تعلمت من تجربتي المهنية أن مفتش السلامة الناجح ليس من يكتفي بتسجيل المخالفات، وإنما من يكتشف المخاطر قبل وقوع الحوادث، ويملك الصلاحية لمنع بدء العمل إلى حين معالجتها. وهذا ما نحتاج إلى ترسيخه في منظومة السلامة العامة، في العقبة وفي سائر أنحاء المملكة.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المخالفات التي تضبطها الجهات الرقابية، بل بعدد الحوادث التي تنجح الإدارة في منع وقوعها، وبقدرتها على حماية الأرواح والممتلكات وضمان استمرارية الأعمال.
وأتمنى أن تكون تجربة العقبة بداية لتطوير منظومة وطنية متكاملة للسلامة العامة، لا مجرد نظام إضافي يضاف إلى مجموعة الأنظمة والتعليمات القائمة.
فالمواطن لا يحتاج إلى الاطمئنان إلى وجود تشريع جديد فحسب، وإنما إلى الثقة بأن هناك إدارة قادرة على اكتشاف المخاطر ومعالجتها قبل أن تتحول إلى كوارث.
وهذا، في النهاية، هو المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة حكومية في مجال السلامة العامة.
