يستيقظ الغزيون على وقع تحديات يومية قاسية تتجاوز حدود البقاء وتصل الى سلب الاعمار في طوابير لا تنتهي. يجد الشاب ايمن نور نفسه كل صباح عالقا في دوامة من الانتظار للحصول على الماء والطعام والدواء. تتشكل حياة النازحين في القطاع حول هذه الطوابير التي تستنزف ساعات النهار وتجعل من الحصول على ابسط مقومات العيش معركة يومية مضنية. يوضح الواقع الميداني ان نسبة كبيرة من الاحتياجات الاساسية لا تصل الى السكان. مما يفاقم من معاناة الاسر التي تعاني اصلا من انعدام الامن المائي والغذائي.
ضياع العمر في انتظار البقاء
وبينما يروي ايمن شتلات النعناع الصغيرة في خيمته. يدرك ان نهاره سيكون رهينة لطوابير المياه والمشافي. واكد الشاب انه يقضي ساعات طوال في التنقل بين نقاط توزيع المساعدات والعيادات الطبية لخدمة عائلته المكلومة. واضاف ان شعوره بضياع عمره دون جدوى يتفاقم مع كل ساعة يقضيها واقفا في انتظار دور قد لا ياتي. وشدد على ان المسؤوليات الملقاة على عاتقه تجاه اقاربه المصابين تضاعف من حجم الضغوط النفسية والجسدية التي يواجهها يوميا.
وذكر وليد شقيق ايمن ان الصراع على الطعام في التكيات يتطلب تواجدا مبكرا جدا لضمان الحصول على وجبة للعائلة. وبين ان العمل المتاح لا يغطي الاحتياجات الاساسية مما يجعل خيار الاصطفاف في الطوابير هو السبيل الوحيد للبقاء رغم ثمنه الباهظ من عمر الانسان. وكشفت الظروف الراهنة ان النظام المعيشي الجديد في غزة تحول من بناء المستقبل الى محاولة النجاة من يوم لا ينتهي من الحاجة.
طفولة مسلوبة في رحلة الماء
ويقضي الاطفال في مخيمات النزوح جل اوقاتهم في طوابير المياه والخبز بدلا من مقاعد الدراسة. واوضحت ام امير ان ابناءها الثلاثة يقطعون مسافات طويلة تحت الشمس الحارقة لتعبئة جالونات المياه التي لا تكفي احتياجاتهم. واضافت ان الاطفال يتذمرون من ثقل المهام ولكنهم يدركون انها طوق النجاة الوحيد لاسرتهم. واكدت ان اضطرارهم للذهاب الى البحر كوسيلة للترفيه تسبب في امراض جلدية بسبب التلوث. مبينا ان الواقع القسري سلب من هؤلاء الصغار طفولتهم وحولهم الى معيلين تحت ضغط الخوف والجوع.
واظهرت تجارب العائلات في مخيمات النزوح ان الاباء والامهات يضطرون لتحمل اعباء مضاعفة لحماية ابنائهم من مخاطر التدافع والضرب في طوابير التوزيع. وشدد المراقبون على ان هذه الممارسات ليست مجرد صدفة بل هي نتيجة لسياسات تقنين تزيد من حالة الاحتقان بين الناس. واكدت الشهادات الميدانية ان التوزيع اصبح يتطلب وقتا اطول مما كان عليه في السابق. حيث يتم فصل مواعيد استلام الطعام عن مواعيد استلام الخبز لزيادة عدد مرات الخروج والانتظار.
واضافت ام كريم ان طفليها تحولا من حياة الرفاهية الى مطاردة شاحنات المساعدات والوقوف لساعات طويلة امام نقاط المياه. وكشفت ان طابور المياه المالحة قد يمتد الى اربع ساعات كاملة يحرس فيها الاطفال جالوناتهم من الضياع. وبينت ان الظروف الصحية لبعض افراد الاسرة مثل مرضى السرطان تزيد من استهلاك الماء وتجبر العائلة على البحث عن مصادر اضافية بعيدة جدا عن مكان اقامتهم.
الاستنزاف النفسي والاقتصادي الممنهج
وتشير الاخصائية النفسية وفاء ابو موسى الى ان الضغط النفسي المزمن الناتج عن الطوابير يؤدي الى الشعور بالعجز وفقدان السيطرة على الحياة. واوضحت ان هذا النوع من الاستنزاف يختلف عن صدمة القصف المباشر. حيث يتراكم القهر والحزن لدى الفرد مع مرور الوقت. واضافت ان فقدان القدرة على التخطيط للمستقبل بسبب الطوابير يولد حالة من الاحتراق النفسي والاكتئاب. وشددت على ان الاطفال هم الفئة الاكثر عرضة لهذه الاثار التي قد تلازمهم لسنوات طويلة.
واكدت الخبيرة النفسية عواطف محيسن ان لغة القهر باتت هي السائدة في تصرفات الاطفال الذين فقدوا الامان في بيئتهم المدرسية والاسرية. وبينت ان ظهور سلوكيات عدوانية لدى الصغار هو انعكاس طبيعي للواقع المأساوي الذي يعيشونه. واضافت ان الاهالي يحاولون التكيف بكل ما اوتوا من قوة لكن استمرار هذه الضغوط يهدد بانهيار المنظومة الاجتماعية بالكامل. واكدت ان غياب البدائل يدفع الاسر الى ارسال اطفالهم لخوض رحلة الشقاء اليومية دون اي ضمانات لسلامتهم.
واوضح المختص الاقتصادي احمد ابو قمر ان الطوابير تمثل استنزافا مزدوجا للجهد الفردي والقيمة الاقتصادية. وبين ان تعمد تقنين السلع الاساسية يهدف الى اعادة انتاج مشهد الطابور كسياسة مرتبطة بالتهجير والضغط على السكان. واضاف ان تكلفة الفرصة البديلة اصبحت مرتفعة جدا. حيث يضيع المواطنون ساعات عمل ثمينة في انتظار الحصول على رغيف خبز او لترات من الماء. واختتم تحليله بان ما يحدث هو افقار ممنهج يستغل الوقت والجهد لتدمير اي فرصة للنمو او الاستقرار الاقتصادي في غزة.
