لم يكن الإرهاب يوماً نتاجاً طبيعياً للقرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة، ولم يكن الإسلام مصدراً للكراهية أو سفك الدماء، بل إن جوهره يقوم على الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان. إنما نشأ التطرف من الفهم المنحرف للنصوص الدينية، وتأويلها بصورة خاطئة، وتوظيفها لخدمة أجندات سياسية وإجرامية لا تمت إلى الدين بصلة.
إن الخطورة الحقيقية تكمن في صناعة الفكر المتطرف داخل عقول الشباب، وتغذيته بالجهل والكراهية والتحريض، واستغلال الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية لتحويل بعضهم إلى أدوات للعنف والتدمير. فالإرهاب ليس عقيدة دينية ولا صفة وراثية، بل هو فكر وسلوك وبيئة تحريضية يمكن أن تُصنع وتُستثمر لتحقيق أهداف تتجاوز حدود الأفراد والتنظيمات.
ولا يمكن قراءة مشهد التطرف في منطقتنا بمعزل عن المصالح والصراعات الدولية؛ فسياسات حكومة بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف في الكيان الصهيوني، بما تمارسه من احتلال وعدوان وتهجير وتدمير، تطرح تساؤلات جوهرية حول المستفيد من تفكيك الدول العربية وإغراق المنطقة في الفوضى. كما أن الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن استمرار أزمات المنطقة، نتيجة تدخلاتها ودعمها العسكري والسياسي، وازدواجية معاييرها في التعامل مع القانون الدولي وحقوق الشعوب. وهي سياسات أسهمت في تعميق الأزمات وإضعاف استقرار المنطقة، ووفرت بيئات تستغلها التنظيمات المتطرفة.
ولا يمكن للأردن أن يغفل مخاطر بعض المشاريع الإقليمية والتنظيمات المرتبطة بها، والتي تتخذ من الشعارات المذهبية والسياسية غطاءً للتدخل في شؤون الدول العربية ومحاولة التأثير في أمنها واستقرارها. ومن واجبنا أن نكون واضحين في مواجهة أي مشروع أو تنظيم أو جهة، أياً كانت مرجعيتها، تحاول المساس بسيادة الأردن أو العبث بجبهته الداخلية ووحدته الوطنية. فالأردن ليس ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وأمنه خط أحمر لا يقبل المساومة.
إن مواجهة الإرهاب لا تكون بالسلاح والإجراءات الأمنية وحدها، بل تبدأ ببناء الوعي، وتصحيح الخطاب الديني، وحماية عقول الشباب، ومواجهة التحريض والطائفية، وتجفيف منابع التمويل والتجنيد، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء الوطني.
أما الأردن، فأمنه واستقراره ووحدته الوطنية خطوط حمراء، وحماية جبهته الداخلية مسؤولية وطنية جامعة؛ فاستقرار الأردن ليس شأناً داخلياً فحسب، بل يمثل ركيزة أساسية لحماية القضية الفلسطينية ودعم صمود الشعب الفلسطيني على أرضه.
إن معركتنا الحقيقية ليست مع دين أو مذهب، بل مع كل من يختطف الدين ويوظفه لتدمير الأوطان وتمزيق الشعوب.
فلا تسمحوا لأحد أن يسرق ديننا ليبرر جريمته، أو أن يستخدم أبناءنا أدوات في حروب الآخرين، أو أن يجعل من التطرف جسراً لضرب أوطاننا. فالأوطان لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالعقول الواعية والعدالة والكرامة ووحدة الصف.
النائب الدكتور أحمد جميل عشا
