تفعيل خدمة العلم بصورة شمولية وموسعة.. استثمار وطني وضرورة استراتيجية لتحصين الشباب وبناء المستقبل
بقلم المحامي والمستشار القانوني
علي عوني الرجوب
لم تكن خدمة العلم في يوم من الأيام مجرد برنامج للتدريب العسكري أو مرحلة عابرة في حياة الشباب بل كانت ولا تزال إحدى أهم الأدوات الوطنية في بناء الشخصية وتعزيز الانتماء وترسيخ قيم الانضباط والمسؤولية والتضحية من أجل الوطن، ومن هذا المنطلق فإن التوجه لإعادة تفعيل خدمة العلم برؤية سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني يمثل خطوة وطنية استراتيجية تستحق الدعم والتأييد لما يمكن أن تحققه من آثار إيجابية على المستويين الأمني والاجتماعي فضلاً عن دورها في إعداد جيل أكثر وعياً وانتماءً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
إن الأردن وفي ظل ما تشهده المنطقة من تحولات سياسية وأمنية وفكرية وما يواجهه المجتمع من تحديات اقتصادية واجتماعية أصبح بحاجة إلى برامج وطنية فاعلة تستوعب طاقات الشباب وتوجهها نحو البناء والإنتاج وتحصّنهم من المخاطر التي قد تهدد وعيهم وهويتهم وانتماءهم الوطني، وهنا تبرز خدمة العلم باعتبارها إحدى الوسائل العملية القادرة على تحقيق هذه الغايات شريطة أن تتم إعادة تفعيلها وفق رؤية حديثة وآليات تنفيذية واضحة ومدروسة لا تقتصر على الشكل أو المظاهر وإنما تحقق الغايات الوطنية التي أُنشئت من أجلها.
إن من أبرز الأسباب التي تجعل تفعيل خدمة العلم بصورة شمولية وواسعة ضرورة ملحّة دورها في معالجة مشكلة الفراغ لدى فئة الشباب وتوجيه طاقاتهم نحو مسارات إيجابية ومنظمة؛ فالفراغ عندما يقترن بغياب التوجيه والاحتواء وضعف فرص المشاركة المجتمعية قد يتحول إلى بيئة خصبة لاستقطاب الشباب نحو السلوكيات السلبية كتعاطي المخدرات والانحراف أو الوقوع في براثن الأفكار الهدامة والتيارات الفكرية المتطرفة التي تستغل حاجات الشباب النفسية والاجتماعية وتبحث عن نقاط ضعفهم لتعيد تشكيل وعيهم وتوجيه قناعاتهم بعيداً عن قيم الاعتدال والانتماء والولاء للوطن.
وهنا تكمن الأهمية الحقيقية لخدمة العلم؛ فهي لا تملأ وقت الشباب فحسب وإنما توفر لهم بيئة تربوية ووطنية منضبطة يشعرون من خلالها بقيمتهم ودورهم في المجتمع ويتعلمون معنى الالتزام والعمل الجماعي واحترام القانون وتحمل المسؤولية كما تتيح لهم الاحتكاك بمؤسسات وطنية وتربوية وعسكرية وتمنحهم فرصة للتفاعل مع شباب من مختلف المحافظات والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية بما يعزز شعورهم بأنهم جزء من وطن واحد تجمعهم مسؤولية مشتركة ومستقبل واحد.
ولعل الجانب الأهم الذي ينبغي التركيز عليه هو الدور الوقائي والفكري لخدمة العلم في مواجهة التطرف والغلو الفكري، فالتطرف لا ينشأ بالضرورة من فراغ معرفي فحسب بل قد يجد طريقه إلى الشباب عندما تغيب البيئة الحاضنة ويضعف الوعي الوطني وتتراجع فرص المشاركة والشعور بالانتماء، ولذلك فإن تحصين الشباب لا يكون بالمواجهة الأمنية وحدها وإنما يبدأ من بناء الوعي وتعزيز الثقة بالوطن ومؤسساته وترسيخ قيم الحوار والاعتدال وقبول الآخر وتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز بين الأفكار المعتدلة والأفكار المتطرفة.
ومن هنا فإن خدمة العلم إذا تم تفعيلها بصورة حقيقية ومدروسة يمكن أن تشكل إحدى أهم الأدوات الوطنية في الوقاية من التطرف الفكري من خلال برامج تثقيفية وتوعوية متخصصة تتناول المواطنة والهوية الوطنية والتاريخ الأردني ومخاطر الفكر المتطرف وأساليب الاستقطاب والتجنيد الفكري إلى جانب تعزيز ثقافة الحوار والتسامح والاعتدال، فالشاب الذي يجد في وطنه مساحة للمشاركة وفي مؤسساته فرصة للتعلم والعمل وفي مجتمعه شعوراً بالاحتواء والانتماء يكون أكثر قدرة على مقاومة محاولات استغلاله أو استقطابه نحو أفكار دخيلة على قيم المجتمع الأردني وثوابته الوطنية.
ولا ينبغي أن نغفل أن مواجهة التطرف الفكري لا تتحقق بمجرد إلقاء المحاضرات أو تقديم التوجيهات النظرية بل تحتاج إلى تجربة عملية يعيشها الشاب ويتعلم من خلالها الانضباط والالتزام واحترام الاختلاف والعمل بروح الفريق، وهذا ما يمكن أن توفره خدمة العلم إذا صُممت برامجها بعناية وجُمعت فيها التربية الوطنية والتأهيل الفكري والتدريب العملي والأنشطة الرياضية والثقافية تحت إشراف كفاءات مؤهلة تمتلك القدرة على التأثير الإيجابي في الشباب.
ومن المهم كذلك ألا تقتصر خدمة العلم على الجانب العسكري بل أن تتحول إلى مشروع وطني متكامل يجمع بين البعدين العسكري والمدني؛ فمن الجانب العسكري تسهم في تعزيز الجاهزية والانضباط والشعور بالمسؤولية الدفاعية ومن الجانب المدني يمكن توظيف طاقات الشباب في قطاعات التعليم والصحة والزراعة والبيئة والخدمات العامة والعمل التطوعي بما يعزز مشاركتهم في التنمية ويجعلهم شركاء حقيقيين في خدمة المجتمع.
كما أن لهذه الخدمة أبعاداً اقتصادية ومهنية مهمة إذ يمكن أن تشكل فرصة لتأهيل الشباب وتزويدهم بمهارات عملية ومهنية يحتاجها سوق العمل من خلال برامج تدريبية مرتبطة بالتكنولوجيا والمهارات الرقمية والحرف المهنية والإسعافات الأولية وإدارة الأزمات وغيرها من المجالات التي ترفع جاهزيتهم للحياة العملية وتساعدهم على بناء مستقبل مهني أكثر استقراراً.
ولا تكتمل هذه الرؤية دون التأكيد على ضرورة أن تقوم خدمة العلم على مبدأ الشمول والعدالة والمساواة بين أبناء الوطن بحيث تكون مسؤولية وطنية جامعة لا تميز بين شاب وآخر على أساس اجتماعي أو اقتصادي أو نفوذ أو مكانة، فالمساواة في أداء الواجبات الوطنية من أهم الوسائل التي تعزز الثقة بمؤسسات الدولة وترسخ الشعور بالعدالة والانتماء وتجعل خدمة العلم تجربة وطنية مشتركة تجمع الأردنيين على اختلاف مواقعهم وخلفياتهم، كما أن وضوح معايير الاستدعاء والتأجيل والإعفاء وعدالة تطبيقها أمر أساسي لضمان ثقة المجتمع بالتجربة وتحقيق أهدافها.
لكن الأهم من تفعيل خدمة العلم هو كيفية تنفيذها وضمان استمراريتها وفاعليتها؛ فنجاح التجربة يتطلب وضع خطة وطنية واضحة تتضمن برامج تدريبية وتربوية وفكرية ومهنية ومدداً زمنية مناسبة وآليات تقييم ومتابعة لقياس النتائج مع الاستفادة من الخبرات السابقة وتطويرها بما يتناسب مع متطلبات العصر وتحدياته، كما ينبغي أن تكون هناك شراكة حقيقية بين القوات المسلحة الأردنية والأجهزة والمؤسسات الوطنية ووزارات التربية والتعليم والشباب والتعليم العالي والعمل إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني لضمان تكامل الأدوار وتحقيق الأهداف المرجوة.
ومن الضروري كذلك ألا يُقاس نجاح خدمة العلم بأعداد الملتحقين بها أو أعداد الساعات التدريبية التي يجتازها المكلفون فحسب وإنما بما تتركه من أثر حقيقي ومستدام في شخصية الشباب وسلوكهم ومهاراتهم ومستوى وعيهم الوطني والفكري ومدى إسهامها في تأهيلهم لسوق العمل وتعزيز مشاركتهم المجتمعية، فالتجارب الوطنية الناجحة لا تقاس بمظاهر تنفيذها بل بنتائجها ومدى قدرتها على إحداث تغيير إيجابي في حياة الأفراد والمجتمع.
إن التحديات التي تواجه الأردن اليوم لا تقتصر على التحديات العسكرية والأمنية التقليدية بل تمتد إلى تحديات فكرية وثقافية واجتماعية تستهدف وعي الشباب وهويتهم الوطنية الأمر الذي يجعل من خدمة العلم فرصة لبناء منظومة وطنية متكاملة للوقاية والتحصين، فالأمن الوطني لا يتحقق بحماية الحدود وحدها وإنما يبدأ أيضاً بحماية العقول، وتعزيز الوعي وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ومن هنا فإن الاستثمار في الشباب وتأهيلهم فكرياً ووطنياً ومهنياً يمثل استثماراً مباشراً في أمن الأردن واستقراره ويجعل من خدمة العلم إحدى الأدوات المهمة في مواجهة التطرف والإرهاب ليس من خلال المعالجة الأمنية وحدها بل من خلال معالجة العوامل الاجتماعية والفكرية والاقتصادية التي قد تستغلها الجماعات المتطرفة لاستقطاب الشباب وتجنيدهم. وهذا لا يعني الخلط بين الاختلاف الفكري أو السياسي المشروع وبين التطرف العنيف وإنما يعني ترسيخ ثقافة تحترم التعددية وحرية التفكير في إطار الدستور والقانون وترفض التحريض على العنف والإرهاب والخروج على سيادة الدولة ومؤسساتها.
إننا بحاجة إلى خدمة علم تصنع من الشاب مواطناً واعياً قبل أن تصنع منه متدرباً عسكرياً وتغرس فيه حب الوطن والانتماء إليه وتحمي عقله من الأفكار المتطرفة وتمنحه الثقة بنفسه وبمستقبله وتجعله يدرك أن خدمة الأردن لا تقتصر على حمل السلاح بل تشمل العلم والعمل والإنتاج والتطوع والمشاركة في بناء الدولة وحماية استقرارها.
إن خدمة العلم ليست عبئاً على الدولة أو الشباب بل استثمار وطني طويل الأمد في الإنسان الأردني وفي أمن المجتمع واستقراره وتماسكه وهي فرصة لإعادة الاعتبار لقيم المسؤولية والانضباط والالتزام ولمواجهة الفراغ والتحديات الفكرية والاجتماعية التي قد تستهدف شبابنا وتحويل طاقاتهم إلى قوة إيجابية تسهم في حماية الوطن وتقدمه.
إن الأوطان لا تُحمى بالقوة العسكرية وحدها بل تُحمى أيضاً بوعي شبابها ومتانة انتمائهم وقدرتهم على التمييز بين الحق والباطل ورفض الأفكار التي تستهدف وحدتهم واستقرارهم، ومن هنا فإن خدمة العلم إذا أُحسن التخطيط لها وتنفيذها يمكن أن تكون مدرسة وطنية متكاملة تبني الإنسان وتحمي المجتمع وتعزز منعة الدولة.
فخدمة العلم ليست مجرد عودة إلى تجربة الماضي بل ينبغي أن تكون انطلاقة نحو نموذج وطني حديث تكون غايته إعداد جيل مؤمن بوطنه واعٍ بتحدياته محصّن فكرياً ومؤهل عملياً ومستعد دائماً لخدمة الأردن والدفاع عن أمنه واستقراره ومصالحه.
إن خدمة العلم الحقيقية لا تصنع فقط شاباً قادراً على حمل السلاح دفاعاً عن وطنه بل تصنع إنساناً يمتلك الوعي الذي يحمي به وطنه والفكر الذي يواجه به التطرف والإرادة التي يبني بها مستقبله، فالدولة القوية تحتاج إلى جيش قوي لكنها تحتاج كذلك إلى مجتمع متماسك وشباب يمتلكون الوعي والمسؤولية ويؤمنون بسيادة القانون ويحترمون مؤسسات الدولة ويشعرون بأن لهم مكاناً ودوراً ومستقبلاً في وطنهم.
ولا يكفي أن نطلب من الشباب الدفاع عن الوطن بل يجب أن نوفر لهم الأسباب التي تجعلهم يشعرون بأن هذا الوطن يستحق أن يدافعوا عنه وأنهم شركاء حقيقيون في بنائه وصناعة مستقبله.
فالأردن يستحق من أبنائه أن يكونوا درعه في مواجهة التحديات، وسنده في مسيرة البناء، وركيزته في صناعة المستقبل.
