يعيش الانسان المعاصر في دوامة لا تعترف الا بلغة الارقام والمكاسب، حيث يعيد النظام الراسمالي صياغة المفاهيم البشرية للذات والوجود لتصبح مجرد معادلات حسابية معقدة. واصبح السعي المحموم نحو التطور والنمو الذاتي بمثابة فخ خفي يقع فيه الكثيرون، دون ان يدركوا ان الارتباط الوثيق بين الانتاجية المستمرة وتصاعد حدة القلق والاكتئاب هو نتاج طبيعي لهذا النموذج الاقتصادي. واظهرت التحليلات ان الفرد تحول الى مجرد رقم يسعى لانتاج ارقام اخرى في بيئة لا تعترف بالشعور بالاكتفاء او الراحة النفسية.
واضاف الباحث في علم النفس الاجتماعي كريم بتاش ان الرسائل التحفيزية التي تملأ حياتنا اليومية تحت شعارات تطوير الذات والاستثمار في النفس قد تبدو مغرية في ظاهرها، لكنها تعمل كادوات خفية تفرض ضغوطا نفسية هائلة. واوضح ان هذه الدعوات تتحول الى قيود غير مرئية تؤثر بشكل مباشر على الصحة العقلية، حيث يتم حث الافراد على الركض المستمر في عالم متسارع لا يمنحهم فرصة لالتقاط الانفاس او التفكير في جوهر وجودهم بعيدا عن معايير السوق.
وشدد الباحث على ان احد اخطر هذه المسارات هو فخ الريادة، حيث تتحول النفس البشرية الى سلعة قابلة للتسويق، وتصبح الرغبة في التعلم مجرد وسيلة لتعزيز العلامة التجارية الشخصية. وبين ان هذه الحالة تولد ما يعرف بمتلازمة اولوية الربح، التي تفرض على الفرد ضغطا متواصلا للتحسين اللانهائي، مما يجعل اي لحظة توقف او استرخاء تبدو كخسارة فادحة في سجل استثماراته الشخصية.
افخاخ غير مرئية في صلب العلاقات
واكد بتاش ان الراسمالية لم تكتف بالسيطرة على مكاتب العمل، بل امتدت لتغزو غرف النوم والحياة الشخصية من خلال ما اسماه فخ العائد من العلاقات الانسانية. وكشفت الدراسات ان الناس اصبحوا يطبقون لغة الاستثمار في صداقاتهم وعلاقاتهم العائلية، مما يؤدي الى حساب العائد من كل رابطة وتصنيف الالتزامات العائلية كاعباء تعيق التقدم. واوضحت النتائج ان هذا التوجه ادى الى تآكل الروابط الاجتماعية الحقيقية وانتشار وباء العزلة والوحدة.
واضاف ان فخ المنافسة الصفرية يعزز عقلية الكل ضد الكل، حيث ينظر الموظف الى زميله كتهديد وجودي بدلا من شريك في النجاح. وبين ان هذا المناخ يغذي بيئة عدائية تقتل روح التعاطف وتزيد من مخاطر الاضطرابات النفسية، خاصة عندما يتم ربط النجاح الشخصي بتفوق الفرد على الاخرين بدلا من التعاون معهم. واكد ان خصخصة المعاناة تعد من ابرز تجليات هذا النظام، حيث يتم التعامل مع الازمات الناتجة عن ضغوط العمل كعيوب شخصية تحتاج الى معالجة فردية.
واوضح ان النظام يوهم المصابين بان الحل يكمن في شراء دورات المرونة النفسية او ممارسة التامل لزيادة الانتاجية، بدلا من الاعتراف بان القلق هو استجابة طبيعية لنظام اقتصادي مختل. واضاف ان هذا التوجه يرسخ الشعور بالذنب والدونية لدى الفرد، بينما تربط الهوية التملكية قيمة الانسان بما يمتلكه من مقتنيات ونجاحات مادية، وهو ما اثبتت الدراسات ارتباطه الوثيق بمستويات اعلى من الاكتئاب وانخفاض الرضا العام عن الحياة.
هل الامراض النفسية مجرد اعراض جانبية للنظام؟
وقالت استاذة الطب النفسي جوانا مونكريف في دراستها حول الاقتصاد السياسي للصحة النفسية، ان النظام التشخيصي الحالي ليس محايدا، بل يخدم توجهات الراسمالية بشكل مباشر. واضافت ان الفكرة الشائعة التي تختزل الاكتئاب والقلق في اختلال بيولوجي داخل الدماغ هي فكرة مضللة تتجاهل العوامل الخارجية مثل الفقر وضغوط العمل. وبينت ان الكثير من المشاكل التي نصنفها طبيا ليست سوى رد فعل طبيعي على ظروف معيشية قاسية وغير مستقرة.
واكدت مونكريف ان ثقافة الخوف واللوم في بيئات العمل المهنية ادت الى القضاء على الشعور بالامان، مما نتج عنه معدلات مرتفعة من الاحتراق النفسي. واضافت ان النظام الراسمالي يحول هذه المعاناة الى خداع مرضي، حيث يتم وصف البؤس كعطل في الدماغ بدلا من كونه نتاجا لظلم اجتماعي او اقتصادي. وبينت ان هذا التوجه يخدم استقرار النظام عبر عزل الفرد عن سياقه الاجتماعي وتحويل انتباهه نحو الحلول الدوائية بدلا من المطالبة بالتغيير.
واوضحت ان التوسع في وصف مضادات الاكتئاب والقلق يساهم في ازدهار سوق الادوية، مما يعمق الفجوة بين الفرد وواقع معاناته. وشددت على ان الهدف ليس انكار وجود الامراض النفسية، بل التنبيه الى سوء استخدام التشخيصات لتحويل المعاناة الانسانية الى سلعة تخضع لقواعد الربح والخسارة.
طرق استعادة التوازن النفسي
واضافت الدراسات ان الخروج من هذه الدائرة يتطلب اعادة تسمية المعاناة والاعتراف بانها استجابة عقلانية لواقع ضاغط وليست عطلا شخصيا. وبينت ان بناء روابط اجتماعية قوية وتعزيز قيم التعاطف والثقة يمثل ترياقا حقيقيا ضد العزلة التي يفرضها النظام الحالي. واكدت ان تخصيص وقت للانشطة ذات القيمة الانسانية، مثل العمل التطوعي والابداع، يساعد في استعادة الشعور بالمعنى بعيدا عن منطق الارباح.
واضافت ان تقليل الارتباط بين القيمة الذاتية والمقتنيات المادية يحرر الفرد من ضغوط المقارنة المستمرة. وبينت ان البحث عن بيئات عمل تدعم الاستقرار والرعاية الصحية يمنح الانسان القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على الرفاهية بدلا من الخوف من الفقر. واكدت ان تطهير اللغة الشخصية من مصطلحات السوق والتفكير في الذات ككيان انساني وليس كعلامة تجارية يعد خطوة جوهرية نحو التحرر النفسي.
وختمت بالتأكيد على ان الفشل ليس هزيمة شخصية تستوجب الجلد، وان التعامل مع مشاعر الحزن كدافع لفهم الواقع يضع الفرد على الطريق الصحيح للتعافي. واوضحت ان التغيير يبدا من الوعي بالخيوط الخفية التي تحرك المشاعر في العالم الراسمالي، مما يمنح الانسان القدرة على استعادة سيادته على حياته الخاصة.
