تتجلى في قلب العاصمة السورية دمشق ملامح استثنائية للهوية والتاريخ عبر معرض فني يحمل اسم خيوط من الذاكرة حيث تقدم الباحثة والمصممة الالمانية هايكه فيبر رؤية بصرية تعيد الاعتبار للتراث المادي والجمالي للمنطقة. وتؤكد فيبر ان هذه الارض التي شهدت بزوغ الابجدية الاولى والديانات السماوية تظل عصية على الاندثار رغم تعاقب الامبراطوريات والصراعات. واوضحت ان اختيارها لهذا العنوان ليس مجرد تسمية لمعرضها المقام في غاليري زوايا بل هو تعبير عميق عن الاستمرارية والارتباط الوجودي الذي تشعر به تجاه سوريا بعد اربعة عقود من العيش فيها.

وكشفت المصممة التي باتت تعتبر نفسها ابنة لهذه الارض عن شغفها الكبير بتفاصيل الثقافة السورية التي خالطت تفاصيلها منذ وصولها عام 1982. واضافت ان عملها يرتكز على تقديم قراءة معاصرة للموروث الشعبي عبر مجموعة واسعة من الازياء والاعمال اليدوية التي تستلهم روحها من جغرافية سوريا المتنوعة. وشددت على ان هدفها الاساسي هو الحفاظ على الجذور مع اضفاء لمسة عصرية تجعل من هذا التراث جزءا حيا من الواقع اليومي.

وبينت فيبر ان المعرض ياخذ الزوار في رحلة عبر الزمن والجغرافيا تمتد من قمم جبال القلمون وصولا الى سهول درعا والجزيرة السورية. واكدت ان هذه الاعمال تعكس تنوعا ثقافيا ناتجا عن تداخل العناصر المناخية والحضارية التي شكلت وجدان السوريين على مر العصور. واظهرت التصاميم قدرة فائقة على رسم خريطة بصرية شاملة تجمع بين دمشق وحمص وحلب والسويداء في نسيج واحد.

تنوع التصاميم بين الريف والمدينة

وتعتمد المصممة الالمانية في اعمالها على اسلوبين متكاملين يجمعان بين بساطة التفاصيل المدنية وكثافة الزخارف الريفية الغنية. واضافت ان الاثواب الدمشقية تتميز بنقوش نباتية ناعمة تعكس الهدوء والذوق الرفيع. واوضحت ان الاعمال المستوحاة من مناطق حوران والجزيرة السورية تميل الى التكرار الهندسي المكثف الذي يبرز الهوية البصرية القوية لتلك المناطق.

واكدت ان توزيع التطريزات على الاثواب ليس عشوائيا بل مدروس بعناية ليعكس التنوع الجمالي والاجتماعي للبيئات السورية المختلفة. واضافت ان كل غرزة تحمل في طياتها دلالات رمزية حول مفاهيم الحياة والموت والتعايش السلمي مع الطبيعة والكون. واوضحت ان هذا التراث يتجاوز الحدود السياسية التي فرضتها اتفاقية سايكس بيكو ليظل لغة واحدة تجمع بلاد الشام في هوية حضارية متصلة.

وتابعت ان رسالتها من هذا العمل هي التاكيد على ان التراث ليس مجرد قطع قديمة بل هو موقف في الحاضر يعبر عن الصمود والاستمرار. واشارت الى ان التحدي الحقيقي يكمن في اتقان صوت الاجداد لضمان بقائه حيا عبر الاجيال القادمة. وشددت على ان المعرض يمثل احتفاء حقيقيا بهذه الروح السورية المتجددة التي ترفض الانكسار.

مسيرة عناة وصمود الهوية

وبدات رحلة هايكه فيبر مع التراث السوري منذ ثمانينيات القرن الماضي حين اسست مشروع عناة الذي استلهمت اسمه من الميثولوجيا القديمة. واضافت انها منذ ذلك الحين لم تعد ترى نفسها غريبة عن المكان بل اصبحت جزءا لا يتجزأ من نسيجه الاجتماعي. واوضحت انها عملت على تدريب مئات النساء السوريات والفلسطينيات لنقل الخبرات وضمان استدامة الحرف اليدوية التقليدية.

واكدت ان سنوات الحرب شكلت اختبارا قاسيا لمشروعها بعد ان فقدت جزءا كبيرا من العاملات بسبب ظروف النزوح والتهجير. واضافت انها ورغم هذه الصعوبات الاقتصادية واللوجستية اختارت البقاء في سوريا والدفاع عن مشروعها كنوع من الوفاء للارض التي احتضنتها. وبينت ان الصمود لم يكن خيارا سهلا لكنه كان تعبيرا صادقا عن انتمائها العميق.

وختمت فيبر حديثها بالتأكيد على ان رسالتها للعالم من قلب دمشق هي اصرار السوريين على العيش بسلام وكرامة. واضافت ان مشروعها سيظل شاهدا على ان التراث هو الجسر الذي يربط ماضي هذه المنطقة بمستقبلها المشرق. واكدت ان الشعار الذي تتبناه هو ان كلما اتقنا لغة التراث امتلكنا القدرة على صناعة الغد.