في زاوية من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، يجلس المسن خليل سالم البالغ من العمر 85 عاما، متخذا من ركام منزله المدمر مرسى لآماله المتبقية. يروي الرجل الذي يعرفه الجميع باسم ابو اكرم تفاصيل قسوة الايام التي حولت حياته من استقرار عائلي الى رحلة بحث يومية عن لقمة العيش والامان لاحفاده الايتام. وتظهر على ملامحه اثار عقود من النكبات والحروب، حيث يحمل في ذاكرته صور زوجته وابنائه الذين قضوا في غارة وحشية لم تبق ولم تذر.
واضاف ابو اكرم وهو يمسك عكازه المتهالك، ان المكان الذي يجلس فيه اليوم لم يعد مجرد اطلال، بل صار مزارا يوميا للذاكرة ومطبخا مؤقتا يجمع حوله 21 حفيدا باتوا في رقبته بعد رحيل آبائهم. واشار الى ان الحزن يغلف يومياته، لكنه يصر على الاستمرار ليكون السند الوحيد لهؤلاء الاطفال الذين فقدوا كل شيء في لحظة واحدة.
وبين ان جسده المنهك الذي يحمل ندوب اصابة في الرقبة واثار 36 غرزة، لا يثنيه عن مواصلة مهامه اليومية، حيث يراقب احتياجات الاحفاد ويحاول تعويض غياب والديهم بما تبقى لديه من حنان وصبر. وشدد على ان وجوده قرب ركام منزله هو محاولة اخيرة للتشبث برائحة من رحلوا، حيث يرفض الابتعاد عن الارض التي شهدت تفاصيل حياتهم.
نجاة مثقلة بجراح الفقد
وكشفت تفاصيل تلك الليلة الدامية في ديسمبر، عن حجم الفاجعة التي حلت بالعائلة، حيث استهدف جيش الاحتلال المربع السكني بالكامل، مما ادى لارتقاء نحو 80 شهيدا من العائلة الممتدة. واكد ابو اكرم ان فقدانه لزوجته وثلاثة من ابنائه واثنتين من زوجاتهم كان فاجعة غيرت مجرى حياته، تاركة اياه وحيدا مع ابن وابنة و21 حفيدا ينتظرون منه رغيف الخبز والكلمة الطيبة.
واوضح ان اصابته في الرقبة ورأسه جعلت حركته صعبة، حيث يحتاج للعكاز ليثبت جسده المتعب الذي اثقلته السنون وويلات الحرب. واضاف انه يواصل يومه كمعيل لاحفاده، يراقب طعامهم ويتابع شؤونهم، محاولا ان يكون الجسر الذي يعبرون عليه نحو غد مجهول وسط ظروف معيشية لا تطاق.
واظهرت نظراته الطويلة نحو الركام انه لا يزال يعيش في تفاصيل الماضي، حيث اختفت مقتنيات زوجته وصور ابنائه، ولم يتبق له سوى صورة ابنه البكر محمد التي وضعها في مكان بارز لتكون رفيقة جلسته اليومية. وشدد على ان هذه الصورة تمثل له الباب الذي يعود منه الى ذكرياته الجميلة قبل ان يغيب القصف كل شيء.
ذاكرة حية وسط الدمار
واكد ابو اكرم انه يخصص وقتا بعد العصر ليحكي لاحفاده عن ابائهم، وكيف كانوا يعيشون وماذا يحبون، ليضمن بقاء سيرتهم حية في عقول الصغار. واضاف ان هدفه هو حماية العائلة من فقدان الهوية بعد فقدان الجسد، حيث يرفض ان يكبر هؤلاء الاطفال دون ان يعرفوا تاريخ عائلتهم وملامح من رحلوا.
وبين ان بعض احفاده مثل محمد وعدي ومحمود يحملون جروحا غائرة في ذاكرتهم بعد ان شهدوا مقتل والدهم امام اعينهم، مما جعلهم يكبرون قبل اوانهم. واوضح انه يشعر بمسؤولية مضاعفة تجاه الطفل عدي يتيم الابوين، حيث يطعمه بيده ويضمه الى صدره ليخفف عنه وطأة اليتم والحرمان.
وكشف ان العائلة لم تكتفِ بوجع الشهادة، بل طالتها يد الاعتقال، حيث تعرض ابنه الوحيد المتبقي عبد الله وحفيده يوسف للاسر في سجون الاحتلال لسنوات واشهر، مما زاد من ثقل المأساة التي يعيشها البيت الذي يضم في طياته كل وجوه المعاناة من اسر واصابة وفقد وتهجير.
