د. حازم قشوع
ثمانون عامًا من الاستقلال ليست مجرد رقمٍ في سجل الزمن، بل هي مسيرةُ معنى، وعنوانُ رسالة، وتجربةُ وطنٍ صاغ من جغرافيته حكاية، ومن رسالته مشروعًا. وفي قلب هذه المسيرة يقف الأردن بوصفه “أردن الرسالة”، حيث لا تنفصل الجغرافيا عن المعنى، ولا تنفكّ الدولة عن دورها في حمل مضامين الأمة والدفاع عن إرثها الحضاري وهذا ما جعل من "المقر" يكون "بيت العرب" .
إذا كان الوطن يتكوّن من جغرافيا ورسالة، فإنّ العَلَم الأردني يأتي ليجسّد هذا الاندماج الخلّاق، بوصفه التعبير الأسمى عن “أردن الرسالة”. فهو ليس رايةً تُرفع فحسب، بل نصٌّ وطنيٌّ مكثّف؛ تُقرأ في ألوانه حكاية الأمة، وفي رمزيته مضمون الدور، وفي حضوره دلالة الاستمرار. ومن هنا يصبح العَلَم عنوانًا لرحلة ثمانين عامًا من البناء، حيث ارتفعت رايته مع كل إنجاز، وتعاظمت دلالاته مع كل محطة من محطات الدولة الأردنية.
وفي مشهد الاستقلال، يتجدّد هذا المعنى في وجدان الأردنيين؛ في الجندي الذي يرفع العَلَم، وفي الطالب والمعلّم وهما ينشدان للوطن، وفي المبدع الذي يراه يرفرف فوق منصات الإنجاز، وفي الرياضي الموهوب الذي يراه خفّاقًا في سماء المونديال. تلك الصور ليست طقوسًا عابرة، بل تجسيدٌ حيّ لفكرة “أردن الرسالة”،
حيث يتحوّل الانتماء إلى فعلٍ يومي، وتغدو الراية مرآةً لجهد الإنسان الأردني وهو يصنع حاضره ويؤسس لمستقبله في سماء المجد بعناوين الإنجاز.ولعلّ ما يختزل فلسفة “أردن الرسالة” هو هذا الترابط العميق بين “العِلم” و”العمل” و”العَلَم”. فالمعرفة التي يبنيها الإنسان الأردني، والعمل الذي ينجزه، يتكثفان في رمزٍ واحد هو العَلَم، ليعبّر عن مسيرة وطنٍ اختار أن تقوم رسالته على النهضة بالعلم، والتقدم بالعمل، والتعبير بالراية. إنها ثلاثية تشكّل جوهر التجربة الأردنية خلال ثمانين عامًا من الاستقلال.
ومن هذا المنطلق، يُقرأ العَلَم الأردني بوصفه سردية “أردن الرسالة” في بعدها القومي والإنساني؛ فقد جاءت ألوانه امتدادًا لإرث الأمة العربية، من راياتها التاريخية إلى راية الثورة العربية الكبرى، التي حملت مشروع التحرر واستعادة الهوية. وهنا يتجلّى الأردن وريثًا لهذه الرسالة، وحاملًا لمضامينها، ومترجمًا لها في واقعه السياسي والثقافي.
وفي قلب هذه الراية تتلألأ النجمة السباعية، حاملةً دلالتين متكاملتين: روحيةً تتصل بفاتحة الكتاب، ومكانيةً ترتبط
بجبال عمّان السبعة. وبين هاتين الدلالتين يتشكل “أردن الرسالة” بوصفه نقطة التقاء بين المقدّس والتاريخ، بين النص والجغرافيا، بين الهوية والدور. ومن عمّان، عاصمة الرسالة، تنطلق هذه الدلالات لتضيء فضاء الأمة، وتؤكد موقع الأردن كمركز إشعاع فكري وثقافي في محيطه العربي.
لقد أثبتت ثمانون عامًا من الاستقلال أن الأردن لم يكن دولةً تشكّلت على أساس الجغرافيا السياسية وحدها، بل كان مشروع رسالة، قام على جغرافية المعنى بقدر ما قام على جغرافية المكان. وهذا ما ميّز التجربة الأردنية، وجعلها أكثر قدرةً على الاستمرار، وأكثر رسوخًا في مواجهة التحديات؛ لأنها تستند إلى عمق حضاري، وهوية متجذّرة في تاريخ الأمة وثقافتها.
وفي هذه المناسبة الوطنية، لا يكون الاحتفال بالاستقلال استذكارًا للماضي فحسب، بل تأكيدًا متجدّدًا على استمرارية الرسالة. فـ“أردن الرسالة” يتعزّز بوحدته الوطنية، التي تشكّل الأساس في صون المنجز وترسيخ الاستقرار وبناء المستقبل، كما يتعزّز بقيادته الهاشمية التي حملت هذه الرسالة عبر عقود، وحافظت على ثوابتها، ووجّهتها نحو التنمية والنهضة، مستندةً إلى العلم والعمل كركيزتين أساسيتين في الارتقاء برسالة البناء الوطني.
إنّ ثمانين عامًا من الاستقلال تؤكد أن الأردن، وهو يمضي في مسيرته، لا يكتفي بأن يكون حاضرًا في الجغرافيا، بل فاعلًا في التاريخ، ومؤثرًا في محيطه، وحاملًا لرسالة تتجاوز حدوده. وهنا تتجلّى حقيقة “أردن الرسالة” بوصفه نموذجًا لدولة تجمع بين "الأصالة والمعاصرة"، بين "الهوية والدور"، وبين "الثبات والتجدد"، عبر منهجية احترازية قامت للمحافظة على المكتسبات، وأخرى استدراكية عملت على بناء المنجزات.
ولم يكن استقلال الأردن تقليديًا بالمعنى الذي شهدته بعض الدول، إذ سبقت نشأة نظامه السياسي اكتمال ترسيم جغرافيته السياسية، الأمر الذي جعل من عقدة وحدته الوطنية نابعةً من بيان الرسالة الهاشمية، وليس فقط من مكنون الهوية. ويعود ذلك إلى طبيعة نشأة النظام الهاشمي الذي حمل رسالة ترسيخ الهوية العربية عقب أفول الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وهو ما كان يؤهله لامتداد أوسع في الهلال الخصيب لولا تقسيمات سايكس–بيكو، وما تبعها من تشكّل المنظومة الدولية الحديثة.
وبالرغم من إعلان استقلال الأردن عام 1946، أي بعد عامٍ من نشأة النظام الدولي الحديث، فإنّ اضطراب الجغرافيا السياسية في المنطقة أخّر تثبيت حضوره الدولي، لا سيما مع قرار تقسيم فلسطين عام 1947، وما تلاه من أحداث النكبة. وقد استطاع النظام الهاشمي الحفاظ على الضفة الغربية والقدس الشرقية، قبل أن تتشكل التحولات اللاحقة التي رافقت العهود الملكية المتعاقبة، وصولًا إلى ترسيخ الدولة في عهد الملك الحسين بن طلال، الذي يُعدّ المؤسس الفعلي للدولة في إطارها الجغرافي والسياسي.
وعقب نكسة عام 1967، دخلت الدولة الأردنية مرحلةً دقيقة، تجلّت فيها معركة الكرامة بوصفها عنوانًا للصمود، في ظل تداخل الهوية النضالية الفلسطينية مع الجغرافيا السياسية الأردنية. وقد أسهمت هذه المرحلة في تأخر تبلور الهوية الوطنية بصيغتها المكتملة، نتيجة تلك التعقيدات التاريخية والسياسية.
وفي عهد الملك عبد الله الثاني، شهدت الهوية الوطنية الأردنية مرحلة إعادة تشكّل وصياغة واضحة المعالم، منذ تولّيه سلطاته الدستورية، حيث أطلق شعارات “الأردن أولًا” و”كلنا الأردن”، لترسيخ مفهوم الدولة الوطنية الجامعة القائمة على المواطنة. وقد تميز هذا العهد بإنجازات نوعية في بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، وتعزيز مسار التنمية ضمن استراتيجية تقوم على ثنائية “الأمن والتنمية”.
وفي إطار هذه المعادلة، ترسّخت موازنة دقيقة بين الأمن والحرية، عزّزت مكانة الأردن بوصفه واحة استقرار، مع الحفاظ على الحريات والمؤسسات الديمقراطية. كما أسهمت الأوراق الملكية في رسم ملامح مشروع الدولة المدنية الحديثة، القائمة على النهج الديمقراطي البرلماني، والمجتمع المدني، والاقتصاد الإنتاجي، والتعليم المعرفي، ومنهجية اللامركزية، مشكلةً بذلك عناوين الدولة المتقدمة.
غير أنّ مسار هذه الرؤية واجه تحديات موضوعية، تمثلت في تحولات إقليمية ودولية متلاحقة، من احتلال العراق، إلى تداعيات الركود الاقتصادي العالمي، مرورًا بأحداث الربيع العربي، والحرب على الإرهاب، وجائحة كورونا، وصولًا إلى أزمات المنطقة الراهنة من مكنون حرب إيران. وقد انعكست هذه الظروف على مسارات التنمية في كل عام، إلا أنّ الأردن استطاع تحويل التحديات إلى فرص، وهي السمة التي وسمت السياسات الأردنية في هذه المرحلة، وجعلت من قيادته تتميز بهذه السمة الاستثنائية.
إنّ الأردن، وهو يحتفل بعيد استقلاله الثمانين، إنما يحتفل بمنجزاته، ويؤكد عزمه على مواصلة مسيرة البناء، في ظل تطلعٍ إلى بيئة إقليمية أكثر استقرارًا، تمكّنه من إطلاق طاقات التنمية الكامنة. وهو ما يعزّز الانتقال من شعارات “الأردن أولًا” و”كلنا الأردن” إلى عنوان جامع هو “أردن الرسالة”، التي تُبيّن الثقل الجيوسياسي للأردن، وهو يمضي بثباتٍ من أجل حفظ أمن المنطقة والمحافظة على استقرارها، انطلاقًا من ثوابته وقيمه ومبادئه، التي تنطلق من أجل العرب، ومن أجل المحافظة على دورهم في كتابة التاريخ، وفي صون رسالتهم في النهضة والسلام.
وهو ما ميّز "الملك عبد الله" في سياسته الرامية إلى حفظ الأمن، والمحافظة على رسالة الهاشميين المقدسية التاريخية في العيش المشترك، كما في طريقته في استقبال موجات اللجوء الإنسانية، ما يجعله خير من يحمل "جائزة نوبل للسلام". وقد تحمّل الأردن، نتيجة ذلك، أعباءً جسامًا أمنيةً واقتصاديةً ومعيشية، جاءت جميعها من أجل الدفاع عن السلم الإقليمي والسلام الدولي.
وفي الختام، فإنّ الراية الهاشمية، وهي ترفرف في سماء الاستقلال الثمانين، لا تختصر مسيرة وطن فحسب، بل تعلن استمرار رسالة؛ رسالة عنوانها: أردنٌ يقوم على العلم، ويتقدّم بالعمل، وتعلو رايته لتبقى شاهدةً على وطنٍ اختار أن يكون أردن الرسالة.
