تستعد مدينة دير البلح في وسط قطاع غزة لخوض غمار تجربة انتخابية بلدية هي الاولى من نوعها منذ عقدين من الزمن، وتأتي هذه الخطوة في ظل ظروف انسانية صعبة ومعقدة فرضتها تداعيات الحرب المستمرة على القطاع، حيث تسعى المدينة لتكون نموذجا حيا لاختبار امكانية استعادة المسار الديمقراطي المحلي في بيئة مثقلة بجراح الانقسام والدمار.
واظهرت التقديرات ان اختيار دير البلح كمركز لهذا الاستحقاق يعود لكونها الاقل تضررا نسبيا بين مدن غزة، وهو ما جعلها ساحة مناسبة لمحاولة تفعيل العمل البلدي من جديد، خاصة بعد ان تعرض مبنى البلدية لقصف مباشر خلال احداث ديسمبر الماضي مما ادى لاستشهاد رئيس البلدية وعدد من الموظفين اثناء ادائهم لواجبهم الانساني.
واكدت لجنة الانتخابات المركزية ان هذه المحطة تمثل اختبارا مفصليا يمكن البناء عليه لاحقا في حال نجاحه، اذ تتنافس اربع قوائم مستقلة على مقاعد المجلس البلدي وهي السلام والبناء، ودير البلح تجمعنا، ومستقبل دير البلح، ونهضة دير البلح، وسط تساؤلات شعبية حول الخلفيات السياسية لهذه القوائم في ظل الواقع الراهن.
مسار انتخابي جديد في غزة
وبين المدير الاقليمي للجنة الانتخابات جميل الخالدي ان العملية الانتخابية ستجري في الخامس والعشرين من شهر ابريل الحالي، موضحا ان النظام الانتخابي المعتمد يعتمد على القوائم المغلقة التي تضم خمسة عشر مرشحا، مع اشتراط وجود حد ادنى من تمثيل النساء لضمان التنوع داخل المجلس البلدي القادم.
واضاف الخالدي ان اللجنة جهزت اثني عشر مركزا انتخابيا موزعة جغرافيا لتسهيل وصول نحو سبعين الف ناخب ممن تجاوزوا سن الثامنة عشرة، مشددا على ان اجراءات الفرز ستكون شفافة ودقيقة لتعزيز الثقة في العملية الديمقراطية وضمان نزاهة النتائج التي ستفرز اعضاء المجلس الجدد.
وذكر ان هذه الانتخابات تأتي ضمن عملية واسعة تشمل الهيئات المحلية في الضفة الغربية ايضا، مشيرا الى ان ضمانات النجاح والقبول بالنتائج تعد ركيزة اساسية لاحياء النظام السياسي المحلي الذي عانى طويلا من سياسات التعيين بدلا من الاحتكام لصناديق الاقتراع.
صوت الشارع واولويات الخدمة
وقالت المواطنة رابحة البحيصي ان المواطن في غزة لم يعد يبحث عن الشعارات السياسية، بل يصب جل اهتمامه على ايجاد حلول عملية للازمات اليومية المتراكمة، موضحة ان الاولويات تتمثل في توفير المياه والكهرباء ومعالجة الصرف الصحي التي تدهورت بفعل الحرب.
واضاف المواطن علي ريان ان الانتخابات بحد ذاتها لن تكون كافية ما لم تترجم الى تغيير ملموس على الارض يلامس حياة الناس، مشيرا الى ان القوائم المرشحة تواجه اختبارا حقيقيا في اثبات قدرتها على تقديم خدمات اساسية في ظل شح الموارد والامكانيات المتاحة.
وشددت القوائم الانتخابية على برامجها الخدمية، حيث اكد رئيس قائمة السلام والبناء محمد ابو ناصر ان المرحلة تتطلب حلولا مبتكرة، بينما تركز قائمة نهضة دير البلح عبر مرشحتها فاتن حرب على الشفافية والعدالة في تقديم الخدمات للفئات المهمشة بعيدا عن المحاصصة الحزبية.
دلالات سياسية وتحديات الواقع
وكشف المحلل السياسي وسام عفيفة ان هذه الانتخابات تحمل في طياتها وظيفة سياسية تهدف لاعادة انتاج قدر من الشرعية، محذرا في الوقت ذاته من ان تحول دير البلح الى حالة منفصلة قد يعمق الانقسام بدلا من معالجته اذا لم يتبع ذلك مسار شامل في كافة ارجاء الوطن.
واوضح بسام الفار ممثل جبهة التحرير العربية ان التحدي الحقيقي يكمن في الظروف المحيطة، حيث ان اغلاق المعابر وغياب الامكانيات يجعل من العملية الانتخابية مهمة صعبة، مطالبا بالتركيز على تكافؤ الفرص بين القوائم المتنافسة لضمان مخرجات تعبر عن ارادة الناخب الحقيقية.
واظهرت التوجهات العامة ان انتخابات دير البلح تمثل مفترق طرق، فإما ان تكون شرارة اولى لاستعادة الحياة الديمقراطية في القطاع، او ان تبقى مجرد تجربة محدودة تصطدم بواقع سياسي وخدمي معقد يتجاوز في تعقيده قدرة المجلس البلدي وحده على الحل.
