يحتفظ الحاج ابو اسامة النجار في زاوية من ذاكرته بمفتاح قديم وقارورة تراب ليس بوصفهما مقتنيات من زمن غابر بل كرموز حية لوطن غادره بجسده وبقي فيه قلبه. وبينما يستحضر الفلسطينيون كل عام حكايات النكبة الاولى تبدو الاوضاع في الخليل وكانها فصل متصل من الاحداث التي لا تتوقف عند حدود التاريخ القديم. واكد الحاج ابو اسامة وهو يمسك بمفتاح بيته في بلدة الفالوجة المهجرة انه لا يزال يرى في هذا المفتاح وسيلة لفتح الباب الذي اغلق منذ عقود طويلة موضحا ان امله بالعودة لا يزال حاضرا وبقوة رغم مرور كل هذه السنوات. واضاف وهو يستنشق رائحة التراب من قارورته الصغيرة ان الفالوجة بالنسبة له ليست مجرد ذكرى بعيدة بل هي حياة مؤجلة تنتظر لحظة العودة الحقيقية.

واقع مرير بين الركام والتهجير

وكشفت الجولات في ارجاء الخليل عن صورة اكثر قسوة للنكبة حيث يجلس ابو انس وسط ركام منزله المهدم ليقص على احفاده حكاية التهجير التي لم تعد مجرد تاريخ يروى بل واقعا معاشا يواجهه الاطفال في كل يوم. واوضح ان الغرف التي كانت يوما ما تضج بالحياة تحولت الى حجارة متناثرة بينما يرفرف علم الاحتلال في الخلفية في مشهد يجسد التناقض الصارخ بين محاولات الاطفال للعيش وبين وجود الاحتلال في كل تفصيل من تفاصيل يومهم. واشار ابو انس الى ان النكبة ليست حدثا انتهى عام 1948 بل هي سلسلة متصلة من الخسارات ووصف معاناتهم بانها نكبة دائمة تتجدد مع كل عملية هدم او تضييق.

معاناة الحواجز والقيود اليومية

وبين ثائر الشريف الشاب من مخيم العروب ان النكبة تتخذ شكلا اخر من المعاناة اليومية حيث يضطر لعبور خمس بوابات وحواجز عسكرية للوصول الى عمله في رحلة شاقة تعكس واقع اللجوء والحصار. واكد ثائر ان المخيم الذي نشأ اصلا نتيجة اللجوء بات اليوم محاصرا بقيود جديدة تتمثل في الاقتحامات المتكررة والانتظار الطويل عند نقاط التفتيش. واضاف ان الفلسطينيين يعيشون اليوم داخل معتقل كبير محاط بالبوابات والاستيطان وجيش الاحتلال مما يجعل من النكبة واقعا يوميا يواجهونه بصبر وثبات. واختتم بالقول ان تقليصات الخدمات والمساعدات تزيد من حدة الازمة وتجعل من حياة اللاجئين فصلا جديدا من فصول المعاناة المستمرة التي لا تتوقف عند البيوت المهدمة بل تمتد لتشمل كل جوانب الحياة من تعليم وصحة.