يسدل جيروم باول الستار على مسيرة حافلة قضاها على رأس هرم الاحتياطي الفيدرالي الامريكي بعد فترة اتسمت بالتحولات الاقتصادية الكبرى والتقلبات السياسية الحادة. وقد نجح باول القادم من خلفية قانونية واستثمارية في قيادة دفة السياسة النقدية عبر تحديات غير مسبوقة بدأت بمواجهة تداعيات الجائحة العالمية وصولا الى ادارة موجات التضخم المتلاحقة التي فرضت عليه اتخاذ قرارات جريئة ومثيرة للجدل في آن واحد.
واضاف المراقبون ان باول لم يكتفِ بإدارة اسعار الفائدة وبرامج شراء السندات فحسب بل عمل على اعادة صياغة استراتيجية التواصل مع الجمهور بشكل جذري. وبينت مسيرته المهنية انه كان الاكثر انفتاحا وشفافية مقارنة بأسلافه حيث سعى لتقريب وجهات النظر بين قرارات البنك المركزي وتوقعات الاسواق العالمية والمحلية في محاولة لتعزيز الثقة في المؤسسة النقدية العريقة.
واكد خبراء الاقتصاد ان السمة الابرز في عهد باول تمثلت في جهوده الدبلوماسية الهادئة لترميم العلاقة مع الكونغرس الامريكي. واوضح ان خلفيته كمسؤول سابق في وزارة الخزانة وخبرته في بناء العلاقات المؤسسية مكنته من ادارة التوازنات السياسية ببراعة فائقة تفوق ما قدمه اسلافه من الاكاديميين والاقتصاديين الاكاديميين.
استراتيجية باول في حماية استقلالية الفيدرالي
وبينت التحليلات ان باول كان ينظر الى الكونغرس كحائط صد منيع لحماية استقلالية الاحتياطي الفيدرالي من الضغوط السياسية الخارجية. واظهرت الدراسات الحديثة ان رئيس الفيدرالي كثف من لقاءاته مع المشرعين من الحزبين لضمان وجود مساحة كافية لصناع القرار النقدي للعمل بعيدا عن املاءات البيت الابيض او التدخلات المباشرة في تحديد مسارات الاقتصاد.
وكشفت الابحاث التي اعتمدت على جداول اعمال رؤساء الفيدرالي ان باول سجل رقما قياسيا في عدد الاجتماعات مع اعضاء مجلسي النواب والشيوخ. واضافت البيانات ان هذا النشاط المكثف بلغ ذروته في فترات التوتر السياسي مما يعكس استراتيجية ممنهجة لتعزيز الرقابة والمساءلة القانونية كأداة لحماية المؤسسة من التسييس.
واشار باحثون الى ان هذا النهج لم يلقَ قبولا لدى الجميع حيث واجه باول انتقادات لاذعة من بعض التيارات السياسية التي اتهمته بالتسييس. وشدد هؤلاء على ان التفاعل مع المشرعين كان ضرورة ملحة في ظل مناخ سياسي مشحون لضمان استمرار الدعم المؤسسي للمركزي الامريكي في اوقات الازمات.
تحديات المرحلة المقبلة في الفيدرالي
واكد الباحثون ان التجربة التي قدمها باول ستكون بمثابة خارطة طريق لمن سيخلفه في المنصب. وبينت المعطيات ان القيادة القادمة قد تتبنى نهجا مشابها يعتمد على الدبلوماسية والعمل الميداني مع لجان الرقابة في الكونغرس لضمان استقرار السياسة النقدية.
واضافت المصادر ان دعم اعضاء بارزين في مجلس الشيوخ لباول خلال الازمات الاخيرة يعد دليلا على نجاح استراتيجيته في كسب الحلفاء. واوضحت ان هذه العلاقات لم تكن مجرد مجاملات سياسية بل كانت ركيزة اساسية في حماية قرارات الفيدرالي من المحاولات التي سعت لتقويض استقلاليته في مراحل مفصلية.
وختم المحللون بأن ارث باول سيبقى مرتبطا بقدرته على الجمع بين الحنكة السياسية والمهارة النقدية. واظهرت النتائج ان التزامه بالعمل المؤسسي وتواصله المستمر مع مراكز القرار في واشنطن رسخ مكانة الاحتياطي الفيدرالي كمؤسسة مستقلة وقادرة على الصمود امام الاعاصير السياسية والاقتصادية.
