لم يدرك محمود شريم ابن الثمانية وعشرين عاما ان لحظة خروجه من معسكر سالم التابع للاحتلال ستكون بداية لصدمة تفوق سنوات سجنه الثماني. واثناء طلبه من سائق الاجرة نقله الى منزله في مخيم جنين جاء الرد صادما بان المخيم لم يعد موجودا وان سكانه قد نزحوا جميعا. واظهرت تلك اللحظات حجم الفاجعة التي اصابت الاسرى المحررين الذين خرجوا من زنازينهم ليجدوا بيوتهم ركاما وذكرياتهم مبعثرة في اماكن نزوح قسرية.

وكشفت تفاصيل رحلة الحرية ان محمود لم يجد احدا من عائلته بانتظاره امام بوابة السجن بسبب غياب التنسيق او الابلاغ بموعد الافراج. واوضح الشاب انه عاش لحظات من الرعب والذهول وهو يكتشف ان عائلته تعيش الان داخل غرف ضيقة في سكنات الجامعة العربية الامريكية بعد ان دمرت قوات الاحتلال منازل المخيم بشكل كامل. وبين ان صدمة النزوح كانت اقسى من قيد الاسر الذي حاول التحرر منه ذات مرة عبر نفق جلبوع الشهير.

واكد محمود ان لقبه تغير من اسير محرر الى نازح لا يملك مكانا يؤويه بعد ان تبخرت احلامه في العودة الى غرفته واصدقائه. وشدد على ان ظروف السكن الحالية في غرف مكتظة تفتقر لأدنى مقومات الحياة اليومية تشبه في قسوتها واقع السجن الذي خرج منه لتوّه. واضاف ان محاولاته المستمرة للبحث عن استقرار في مدينة جنين تصطدم بواقع اقتصادي صعب في ظل غياب اي دعم لمواجهة متطلبات الحياة.

واقع مرير في مراكز الايواء

وبينت تقارير ميدانية ان اكثر من ثلاثة الاف وخمسمئة عائلة هجرت من مخيم جنين منذ بدء العمليات العسكرية التي تستهدف مخيمات شمال الضفة الغربية. واوضح النازحون ان الحياة في سكنات الطلبة تحولت الى كابوس بسبب الضجيج المستمر والاكتظاظ الشديد الذي يمنع الاطفال من اللعب او العيش بكرامة. واشار محمود الى انه اضطر لمغادرة مكان نزوح عائلته مؤقتا سعيا لايجاد مأوى اكثر ملاءمة رغم محدودية دخله من عمله البسيط في بيع الشطائر.

وذكر الاسير المحرر ان مشاعر الحنين الى سطح منزل عائلته المطل على حارات المخيم لا تفارقه ابدا وتزيد من وجعه. واضاف ان فكرة فقدان الاصدقاء والاقارب الذين استشهدوا خلال سنوات غيابه خلف القضبان تجعل من فكرة العودة الى مكان فارغ منهم امرا مؤلما للغاية. وتابع ان الاحتلال لا يكتفي بمنع الاهالي من العودة بل يفرض قيودا صارمة على تحركاتهم حتى في القرى المجاورة التي لجأوا اليها.

وكشفت مؤسسات الاسرى ان عدد المعتقلين من جنين ومخيمها خلال العام الماضي بلغ اكثر من الف وستمئة حالة بينهم اطفال ونساء. واضافت ان الاحتلال يمارس تضييقا مستمرا عبر عملياته العسكرية التي تحرم الرجال والنساء من تفقد منازلهم المدمرة الا في حالات نادرة ومقيدة زمنيا. وبين ان هذه الاجراءات تهدف الى تفريغ المخيمات من سكانها الاصليين وتركهم في حالة من التيه والتشرد.

الاغتراب بعد التحرر

واظهرت قصص المحررين امثال رامي فودة ان معاناة الاسير لا تنتهي بانتهاء مدة حكمه بل تمتد الى واقع النزوح الذي يعيشه مع اسرته بعيدا عن مخيم نور شمس. واوضح رامي انه تفاجأ عند خروجه من سجن النقب بان عائلته تشتتت في قرى طولكرم وان بيته لم يعد صالحا للسكن او الوصول اليه. واضاف ان الحياة في الغرف غير المؤهلة تؤدي الى تفاقم الازمات الصحية والاجتماعية التي تلاحق الاسرى المحررين.

وشدد رامي على ان فقدانه ستين كيلوغراما من وزنه داخل السجن كان اهون عليه من رؤية ابنائه يعيشون في هذا الواقع البائس. واكد ان الشعور بالاغتراب داخل وطنه يضاعف من حجم الكارثة التي يعيشها اهالي المخيمات الذين فقدوا كل شيء في لحظة واحدة. وبين ان غياب الدخل وعدم وجود فرص عمل حقيقية يزيد من تعقيد المشهد ويجعل من فكرة العودة حلما بعيد المنال.

واكد المحررون ان التمسك بالامل هو السلاح الوحيد المتبقي لديهم في مواجهة هذه الظروف الانسانية الصعبة. واضافوا ان ما يواجهونه اليوم هو نكبة متجددة تعيد صياغة حياتهم بعيدا عن دفء المنازل التي كانوا يحلمون بالعودة اليها. واختتموا حديثهم بان الحرية التي نالوها بعد سنوات من القهر اصبحت بطعم المرارة في ظل واقع النزوح الذي يلاحقهم في كل مكان.