يواجه العراق تداعيات اقتصادية وخدمية قاسية نتيجة استمرار غياب الموازنة الاتحادية لفترة طويلة، مما تسبب في توقف العديد من المشاريع الحيوية وتأثر قطاعات الزراعة والتوظيف بشكل مباشر. وتزايدت حالة الاحتقان الشعبي في ظل التحذيرات من استمرار الشلل الإداري الذي يهدد استقرار الخدمات العامة في البلاد.
واوضحت التقارير ان التاخير في ارسال جداول الانفاق السنوية للموازنة قد ادى الى ارباك كبير في التخطيط المالي، وهو ما وضع الحكومة امام تحديات صعبة في ادارة ملفات الدولة المالية والخدمية. واكد خبراء ان هذا الوضع الاستثنائي يفرض ضغوطا متزايدة على مختلف الوزارات والمؤسسات الرسمية التي باتت عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين والمشاريع الاستراتيجية.
وبينت المؤشرات الاقتصادية ان غياب التخصيصات المالية تسبب في تجميد العديد من العقود الوظيفية، مما دفع الالاف من المتعاقدين في بغداد الى الخروج في احتجاجات واسعة للمطالبة بضمان حقوقهم. واضاف المحتجون ان قرارات وزارة المالية بايقاف اجراءات التعاقد قد تركتهم في حالة من الضياع بعد وعود سابقة لم تتحقق بسبب غياب الغطاء المالي.
ازمة العقود والقطاع الزراعي
وكشفت التطورات الميدانية عن اتساع رقعة الغضب الشعبي لتشمل شريحة المزارعين، الذين عبروا عن رفضهم لقرارات حكومية بخفض اسعار شراء محصول الحنطة في موسم الحصاد. واشار المزارعون الى ان هذا الاجراء يمثل ضربة قاسية لمنتجهم المحلي ويهدد مصدر رزق الاف العائلات التي تعتمد بشكل كلي على الزراعة في معيشتها.
واكد المتضررون انهم يواجهون صعوبات جمة نتيجة الغاء التجهيزات الزراعية وعدم صرف المستحقات المالية، مما يضع مستقبل الموسم الزراعي على المحك في ظل غياب الدعم الحكومي. واضاف المزارعون ان الضغوط المالية التي تعيشها الدولة لا ينبغي ان تكون على حساب القطاعات الانتاجية التي تعد ركيزة اساسية للاقتصاد الوطني.
واوضح مراقبون ان الحكومة تجد نفسها في موقف حرج، حيث تحاول الموازنة بين الحاجة لتقليص الانفاق وبين ضرورة الحفاظ على القطاعات الحيوية التي تضمن الامن الغذائي. وشدد هؤلاء على ان غياب التخطيط المالي السليم ادى الى تفاقم معاناة الفئات الاكثر تضررا من الازمة الاقتصادية الحالية.
تلكؤ المشاريع الخدمية
وتعيش العاصمة بغداد حالة من التراجع في مستوى الخدمات الاساسية نتيجة توقف المشاريع التنموية التي كانت معول عليها في تحسين البنية التحتية. واكد رئيس لجنة الاعمار والتطوير في مجلس محافظة بغداد ان هناك اكثر من 500 مشروع قيد التنفيذ مهددة بالتوقف بسبب عدم اطلاق التخصيصات المالية اللازمة.
واضاف ان تعثر صرف مستحقات الشركات والمقاولين ادى الى تباطؤ العمل في قطاعات الصحة والتربية والبلديات، وهو ما ينذر بكارثة خدمية اذا ما استمر الوضع على ما هو عليه. وشدد على ضرورة التحرك العاجل لتضمين الموازنة المقبلة بنودا خاصة بالمشاريع الاستراتيجية الكبرى بعيدا عن الحصص التقليدية للمحافظات.
وبين ان الوضع يتطلب ابتكار اليات تمويل طارئة او اعتماد قوانين مشابهة للامن الغذائي لضمان استمرارية العمل في المشاريع الحيوية. واكد ان تعطيل الموازنة خلق حالة من الارباك الاداري الذي القى بظلاله على كافة مفاصل الحياة اليومية للمواطنين في بغداد وبقية المحافظات.
اولويات الحكومة والحلول المطروحة
وكشفت مصادر برلمانية ان اعضاء اللجنة المالية يضعون اقرار الموازنة في صدارة اولويات المرحلة المقبلة، مع ضرورة التركيز على تعظيم الايرادات غير النفطية. واضافت المصادر ان هناك رؤية واضحة يتم العمل عليها لتقليل الاعتماد شبه الكلي على النفط وخفض العجز المالي لتجنب الازمات المستقبلية.
واشار مسؤولون الى ان التوترات الاقليمية والمشكلات المتعلقة بصادرات النفط دفعت الدولة للبحث عن بدائل ومنافذ تصدير جديدة. واكدوا ان الحكومة الحالية مطالبة بالاسراع في ايجاد حلول قانونية تتوافق مع مبادئ الادارة المالية ولا تتجاوز السنة المالية المعمول بها.
واوضح مختصون ان تجاوز المأزق القانوني يتطلب تكاتفا سياسيا لتمرير الموازنة وضمان عدم ترحيل الازمات المالية الى سنوات قادمة. وشددوا على ان الاستقرار الاقتصادي في العراق مرهون بمدى قدرة السلطتين التشريعية والتنفيذية على تجاوز الخلافات والبدء بخطوات عملية لانعاش الاقتصاد والخدمات.
