بقلم: المحامي إسلام الحرحشي/ مدير مركز إحقاق للدراسات القانونية
ليست كل القوانين نصوصًا إدارية تُضاف إلى رفوف التشريعات، فبعضها يكشف تحولات أعمق من مجرد تنظيم قطاع أو تحديد صلاحيات. وقانون الغاز رقم 12 لسنة 2026 يبدو أقرب إلى هذا النوع؛ إذ لا يتعامل مع الغاز باعتباره مادة تُنقل وتُخزن وتُباع فقط، بل بوصفه مدخلًا لإعادة بناء فلسفة كاملة في إدارة الطاقة والاستثمار والاقتصاد.
للوهلة الأولى يبدو القانون قانونًا تقنيًا يحدد تعريفات وأنشطة ورخصًا وإجراءات، لكن القراءة المتأنية تكشف أن الأمر أكبر من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة لإعادة هندسة سوق الطاقة الأردني بطريقة تتجاوز المفهوم التقليدي للغاز نحو مفهوم أشمل يرتبط بالهيدروجين الأخضر ومشتقاته، وبالبنية التحتية، وبموقع الأردن داخل خرائط الطاقة الجديدة.
في جانب الاستثمار، يحمل القانون رسالة واضحة: إن قطاع الطاقة لم يعد مساحة رمادية تتحرك داخلها الشركات وفق اجتهادات متفرقة أو تعليمات متناثرة، بل أصبح قطاعًا محكومًا بإطار قانوني متكامل يحدد الأنشطة، وآليات الترخيص، والصلاحيات، والالتزامات.
وهذه بحد ذاتها نقطة قوة مهمة؛ لأن المستثمر لا يخشى المخاطر المالية وحدها، بل يخشى أكثر من ذلك تبدل القواعد أثناء اللعبة. وضوح الإطار التشريعي يمنح المستثمر شعورًا بالأمان القانوني، ويخلق بيئة أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
غير أن الصورة ليست بهذه البساطة.
فالقانون، بينما يفتح الأبواب أمام الاستثمار، منح الإدارة التنفيذية مساحة واسعة في منح الامتيازات والحصريات وتنفيذ المشاريع الكبرى من خلال العطاءات أو العروض المباشرة. وهنا يظهر السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن بصدد تحرير سوق أم إعادة تشكيله بصورة جديدة؟
فالاحتكار لا يولد دائمًا من غياب القانون، بل قد يولد أحيانًا من داخل النصوص نفسها إذا لم تُضبط بمعايير صارمة من الشفافية والمنافسة العادلة.
أما في جانب الطاقة، فإن القانون يمثل انتقالًا من مفهوم "أمن الإمداد" إلى مفهوم "أمن المنظومة". الفارق بين المفهومين كبير جدًا.
في الماضي كان السؤال: هل توجد كميات كافية من الغاز؟
أما اليوم فأصبح السؤال: هل تمتلك الدولة شبكة نقل مرنة؟ هل لديها مرافق تخزين؟ هل لديها خطط طوارئ؟ هل تستطيع التعامل مع الانقطاعات المفاجئة؟ وهل تستطيع استيعاب مصادر طاقة جديدة مثل الهيدروجين الأخضر؟
إن النصوص المتعلقة بالبنية التحتية والتخزين وخطط الطوارئ لا تتحدث عن تشغيل قطاع فحسب، بل تتحدث عن بناء قدرة وطنية على الصمود.
لكن النقطة الأكثر حساسية تظهر عند الحديث عن السيادة الاقتصادية.
فالسيادة الاقتصادية لا تعني أن تملك الدولة الموارد فقط، بل أن تحتفظ بمفاتيح التحكم بها.
هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما تصبح المرافق الاستراتيجية – من نقل وتخزين وتشغيل – خاضعة لاستثمارات ضخمة قد تكون محلية أو أجنبية؟ وهل تبقى الدولة صاحبة القرار الفعلي أم تتحول تدريجيًا إلى منظم يدير العلاقة بين أطراف السوق؟
صحيح أن القانون أبقى للدولة دورًا مركزيًا من خلال اشتراط موافقات حكومية على بعض المشاريع الاستراتيجية ومنح الجهات التنظيمية صلاحيات واسعة، لكن التجارب العالمية علمتنا أن السيادة لا تُقاس بالنصوص فقط، بل بمن يمتلك القدرة الفعلية على التأثير في القرارات الاقتصادية الكبرى.
فالسيطرة على خطوط الطاقة ليست مسألة فنية بحتة، بل مسألة سيادية تتعلق بالأمن الوطني والقرار الاقتصادي والسياسي للدولة.
وربما هنا تكمن المسألة الأهم في هذا القانون: هل نحن أمام تشريع ينقل الأردن من دولة مستهلكة للطاقة إلى دولة تبني موقعًا جديدًا داخل خريطة الطاقة الإقليمية؟ أم أننا أمام تنظيم حديث لسوق قد يعيد إنتاج الاعتماد بأشكال مختلفة؟
الجواب لن يوجد في مواد القانون وحدها، بل في الأنظمة والتعليمات التي ستصدر لاحقًا، وفي الكيفية التي ستُدار بها الحصريات والرخص والاستثمارات.
فالطاقة ليست مجرد أنابيب تعبر الأرض، بل هي شرايين تمر عبر الاقتصاد والسياسة والسيادة معًا.
وفي عالم اليوم، قد لا تخسر الدول سيادتها بالحروب فقط... بل قد تخسرها حين لا تنتبه لمن يضع يده على مفاتيح الطاقة.
