يواجه المواطنون في العاصمة الايرانية طهران واقعا اقتصاديا مريرا في قطاع السكن حيث لم تعد التقارير الرسمية ضرورية لادراك حجم الازمة فمجرد جولة سريعة امام مكاتب العقارات تكشف عن ارقام فلكية للاسعار التي تجاوزت قدرة المواطن العادي. واوضح المواطن رحمان البالغ من العمر 36 عاما ان حلم الحصول على مسكن اصبح بعيد المنال في ظل حالة من الشلل التي تضرب السوق والارتفاع المستمر في تكاليف الشراء والايجار على حد سواء. واكد ان هذه القفزات السعرية جاءت مدفوعة بتداعيات الحرب الاخيرة التي خلفت اضرارا بالغة في البنية التحتية والمرافق الاستراتيجية بما في ذلك قطاع الصلب والبتروكيماويات.
واشار رحمان الى ان اسعار المتر المربع للشقق تضاعفت خلال الاشهر القليلة الماضية مبينا ان تكاليف الايجار ارتفعت بنسبة تزيد عن 60% مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الاحداث الاخيرة. واضاف ان حالة الركود التي تخيم على سوق الشراء لم تمنع الاسعار من التحليق عاليا مما دفع المستاجرين الى محاولة تامين مساكن قبل حلول ذروة الموسم الصيفي خوفا من زيادات جديدة قد تفرضها التطورات الاقتصادية المتلاحقة.
وبين ان المعاناة تزداد حدة مع تدمير اعداد كبيرة من الوحدات السكنية خلال الحرب مما اجبر العديد من الاسر على خيارين احلاهما مر اما القبول بزيادات الايجار الباهظة او النزوح القسري نحو الضواحي البعيدة عن مركز العاصمة. واكدت الموظفة مهري ان طموحها في امتلاك شقة صغيرة اصبح اشبه بالمستحيل حيث تتطلب تكاليف السكن الحالية ادخار الراتب كاملا لثلاثة عقود من الزمن وهو ما وصفته بانه استهزاء بجهود الشباب الباحثين عن الاستقرار.
صدمة المستثمرين واضطراب السوق
وقال الحاج امين وهو صاحب مكتب عقاري ان الحرب تسببت في صدمة نفسية عميقة للمستثمرين والمواطنين على حد سواء حيث يحرص المالكون على رفع الاسعار لتعويض تراجع قيمة العملة بينما يتردد المشترون في دخول السوق خشية حدوث انهيار مفاجئ او فقاعة عقارية. واضاف ان سوق الايجارات اصبحت الوجه الاكثر قسوة للازمة حيث لم يعد هناك معيار منطقي للاسعار في ظل التضخم العام الذي يعصف بالبلاد. واوضح اننا امام سوق متجمدة في حركتها لكنها تغلي بالاسعار مما يعكس فجوة عميقة بين ارقام الاقتصاد الكلي والمعاناة اليومية للناس.
واكد عبد الجلال ايري المتحدث باسم لجنة الاعمار في البرلمان ان ما يشهده القطاع حاليا هو حالة من الفوضى التي لا تستند الى مبررات منطقية او اقتصادية حقيقية. واضاف ان القفزات السعرية الحالية لا علاقة لها بتداعيات الحرب المباشرة على مواد البناء موضحا ان البلاد كانت تمتلك فائضا كبيرا في انتاج الفولاذ والاسمنت قبل الاحداث الاخيرة. وبين ان غياب الرقابة الحكومية سمح للسماسرة باستغلال الاوضاع لرفع الاسعار دون حسيب او رقيب.
وتابع ان حصة مواد البناء في التكلفة النهائية للشقق لا تتجاوز 10% بينما تشكل الارض والرسوم والخدمات النسبة الاكبر من التكلفة. واكد ان التذرع بارتفاع اسعار المواد الخام هو مجرد دعاية نفسية يروج لها المضاربون لرفع الاسعار مشددا على ضرورة تدخل الدولة لكبح جماح هذه الممارسات التي تنهك كاهل المواطنين وتزيد من صعوبة الحصول على مأوى.
توقف الورش وازمة العمالة
وكشفت الجولات الميدانية في طهران عن مشهد متناقض حيث توقفت الرافعات في العديد من مواقع البناء بينما تستمر ورش اخرى في العمل ببطء وسط شكوى من ارتفاع تكاليف الايدي العاملة بشكل غير مسبوق. واكد المهندس محمد ان القرار الحكومي بترحيل العمالة الافغانية كان له اثر مباشر على قطاع الانشاءات حيث كانوا يشكلون العمود الفقري لهذا القطاع الحيوي. واضاف ان البدائل المحلية تطلب اجورا مضاعفة ومع ذلك فان العثور على عمالة مؤهلة للقيام بالاعمال الشاقة اصبح امرا شديد الصعوبة.
وبين ان متوسط اجر العامل ارتفع بشكل كبير مما زاد من اعباء المقاولين الذين باتوا عالقين بين مطرقة التكاليف المرتفعة وسندان نقص العمالة المتخصصة. واضاف ان بعض المشاريع توقفت بالكامل بسبب هذه التحديات المركبة مما يهدد بانهيار قطاع البناء في حال لم يتم ايجاد حلول عملية لتعويض النقص في اليد العاملة. واكد ان الازمة تتفاقم مع استمرار ارتفاع تكاليف المهن المساعدة التي باتت تطلب اجورا مرتفعة مستغلة غياب المنافسة في السوق.
وختم المهندس محمد حديثه بالتحذير من ان السكن الذي كان يمثل حلما بسيطا للاسر الايرانية سيتحول الى امر مستحيل خلال الفترة القادمة اذا استمرت هذه الفوضى. واضاف ان السوق حاليا في حالة توقف تام عن البيع والشراء لكن الاسعار تواصل مسارها الصاعد مما ينذر بازدياد الازمة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد ما لم تتخذ الحكومة اجراءات حاسمة لضبط السوق وتوفير بدائل للعمالة وتسهيل عمليات البناء.
