يتحول معبر جسر الملك حسين الذي يربط الضفة الغربية بالاردن من مجرد منفذ حدودي بسيط الى اداة سيطرة يومية تستهدف تقييد حركة الفلسطينيين والتلاعب بكرامتهم ووقتهم. ولا يرى المسافرون في هذا المعبر سوى واجهة اخرى للاحتلال الذي يفرض سطوته على ابسط حقوق التنقل، حيث تتحول رحلة السفر التي يفترض ان تستغرق ساعات معدودة الى كابوس يمتد لايام من الانتظار والارهاق النفسي والجسدي. وتظهر تجارب المسافرين ان المعاناة ليست مجرد خلل اجرائي، بل هي استراتيجية ممنهجة تهدف الى تحويل السفر الى تجربة قاسية ومذلة تفتقر الى ادنى معايير الانسانية.
واشار مسافرون الى انهم يضطرون لقضاء ساعات طويلة تحت اشعة الشمس الحارقة او في اجواء الشتاء الباردة، مع عدم وجود ضمانات للوصول الى الجهة الاخرى حتى بعد دفع تكاليف باهظة للتنقل وتغيير خطط السفر. واكد الكثيرون ان حالة الترقب والانتظار تسيطر على المشهد العام عند ابواب المعبر، حيث يظل المسافر معلقا بين احتمالات المنع او السماح بالعبور دون اسباب واضحة او مبررات مقنعة من الجانب المسؤول عن ادارة المعبر.
وبين شهود عيان ان ادارة المعبر تتعمد احيانا تعطيل حركة المرور عبر اختلاق ذرائع امنية واهية او الاعلان عن اضرابات مفاجئة، مما يضع مئات العائلات والمرضى والطلاب في مواجهة مباشرة مع مصير مجهول. واوضح المتابعون للمشهد ان القرار النهائي بفتح المعبر او اغلاقه يظل بيد الاحتلال وحده، مما يكرس حالة من التبعية القسرية التي تمنع الفلسطيني من ممارسة حقه الطبيعي في التنقل بحرية.
واقع السفر تحت سلطة التحكم المطلق
وكشفت التقارير الميدانية ان السفر عبر هذا المعبر اصبح يتطلب دفع رسوم مالية متكررة، مع فصل المسافر عن امتعته في اجراءات معقدة تزيد من معاناة التنقل. واضاف المتضررون ان التوسلات التي يطلقها المسافرون للحاق برحلاتهم الجوية او مواعيدهم الطبية لا تجد صدى لدى المسؤولين، حيث تظل العبارة المتكررة هي ان كل شيء يخضع لتقديرات الجانب الاسرائيلي الذي يمتلك سلطة التحكم المطلق في حركة الافراد.
وشدد مراقبون على ان هذه السياسة لا تستهدف فقط اعاقة الحركة، بل تهدف الى تكريس الشعور بالضعف والهوان لدى الفلسطينيين، حيث يجد المسافر نفسه مجردا من حقوقه امام تعنت الاجراءات. واكدت الشهادات ان الاغلاقات المفاجئة للمعبر تضطر المسافرين الى البحث عن اماكن للمبيت في ظروف صعبة، مما يضاعف من الاعباء المادية والنفسية التي يتكبدها المواطن في سبيل الوصول الى وجهته الخارجية.
وذكرت مصادر حقوقية ان هذه الممارسات تعد انتهاكا صارخا للقوانين الدولية التي تكفل حرية التنقل، موضحة ان ما يجري هو تطبيق لسياسة ممنهجة تهدف الى اذلال الفلسطينيين ومنعهم من التواصل مع محيطهم الخارجي. واضافت ان استمرار هذه المعاناة يعكس مدى رغبة الاحتلال في تحويل كل تفاصيل الحياة اليومية للفلسطيني الى ساحة للصراع والضغط السياسي.
تاريخ من التضييق وغياب البدائل
وكشفت التحليلات ان الفلسطينيين فقدوا على مدار العقود الماضية العديد من بواباتهم نحو العالم، حيث تم تدمير المطارات واغلاق الممرات البرية الاخرى، مما جعل جسر الملك حسين هو عنق الزجاجة الوحيد. واوضحت ان هذه الخيارات المحدودة جعلت من السفر عملية محفوفة بالمخاطر، حيث يجد الفلسطيني نفسه محاصرا في خيارات ضيقة تفرضها ارادة الاحتلال التي لا تعترف بحق الاخر في التنقل.
وبينت المعطيات ان الخوف الاكبر لم يعد مقتصرا على مشقة السفر الحالية، بل امتد ليشمل قلق الاباء من توريث هذا الواقع المرير للاجيال القادمة التي ستكبر وهي تحمل هموم التنقل والحصار. واكدت ان هذا القلق الوجودي يعمق الشعور بعدم الاستقرار، حيث اصبح السفر حلما مهددا بالضياع في كل مرة يقرر فيها الفلسطيني مغادرة ارضه.
واظهرت المتابعات ان سياسة اغلاق المعابر وتضييق الخناق هي جزء لا يتجزأ من منظومة السيطرة التي تهدف الى عزل الفلسطينيين عن العالم. واختتمت الاراء بان الحاجة ملحة لوقف هذه الانتهاكات التي تجعل من ابسط حقوق الانسان رحلة محفوفة بالاذلال والتعقيدات غير المبررة.
