قرر مصرف لبنان المركزي فتح ملفات المرحلة الماضية عبر تكليف شركة الفاريز اند مارسال باجراء تدقيق جنائي مالي موسع وشامل يغطي الفترة الممتدة من اواخر عام 2019 وحتى نهاية العام الماضي. وتأتي هذه الخطوة بالتنسيق المباشر مع وزارتي المالية والعدل في مسعى للكشف عن ملابسات اختفاء مبالغ طائلة من الاحتياطي النقدي وتحديد مصير اكثر من 20 مليار دولار تم انفاقها خلال سنوات الازمة. واكدت مصادر نقدية ان هذا التحرك يمثل نقلة نوعية نحو الشفافية والالتزام بالمعايير الدولية لضبط التجاوزات المالية التي شهدها الاقتصاد اللبناني.

واضافت المصادر ان هذا التدقيق يرتكز على قاعدة بيانات سابقة كانت الشركة قد وضعتها خلال عملها السابق في حسابات المركزي مما يسهل عملية الربط بين النتائج الحالية والمعطيات التاريخية. وبينت ان الهدف الاساسي هو الوصول الى صورة دقيقة ومستقلة حول كيفية ادارة الاموال العامة والتدخلات التي قام بها البنك المركزي لصالح جهات عامة وخاصة. واوضحت ان التقرير المنتظر سيشكل مرجعية قانونية قوية امام الجهات القضائية والمالية الدولية للمطالبة باستعادة الاموال التي يعتقد انها هدرت او استغلت بشكل غير مشروع.

كشف حقائق برنامج الدعم المثير للجدل

وشددت المعطيات المتاحة على ان نطاق التدقيق سيشمل بشكل دقيق برنامج الدعم الذي اقرته الحكومات المتعاقبة والذي استنزف مليارات الدولارات تحت مسميات مختلفة. واكدت ان الشركة ستدقق في التحويلات المالية التي تمت للمؤسسات العامة والمدفوعات التي وجهت للمصارف التجارية عبر حسابات خارجية. واوضحت ان التحقيقات ستكشف ما اذا كانت هذه الاموال قد وصلت لمستحقيها الفعليين ام انها صرفت في مسارات تخالف القوانين والاصول المعتمدة.

وبينت التقارير الاولية ان التدقيق سيتتبع صرف ما لا يقل عن 11 مليار دولار انفقت على برامج الدعم الاستهلاكي التي شملت المحروقات والادوية والسلع الاساسية. واضافت ان هناك شكوكا واسعة حول تسرب هذه المواد الى خارج الحدود عبر عمليات تهريب منظمة في وقت كان المواطن يعاني فيه من شح المواد في الداخل. واكدت ان نتائج هذا التدقيق ستحال رسميا الى وزارتي العدل والمالية لاتخاذ الاجراءات القانونية بحق المتورطين في استغلال المال العام.

مسار نحو الاصلاح المالي واستعادة الثقة

واوضحت الجهات المعنية ان هذه الخطوة تعد مطلبا اساسيا للمؤسسات المالية الدولية وصندوق النقد الدولي كجزء من عملية الاصلاح الهيكلي المطلوبة. واضافت ان وجود تقرير جنائي موثق سيمنح الدولة اللبنانية ادوات قانونية قوية لملاحقة الحالات التي حصلت فيها جهات معينة على اموال الدعم بطرق غير مشروعة. واكدت ان الشفافية في هذا الملف تعتبر المدخل الرئيسي لاستعادة انتظام القطاع المالي وتصحيح المسار الاقتصادي المتهالك.

وبينت التحليلات ان التدقيق لن يقتصر على الارقام فحسب بل سيمتد ليشمل مراجعة تفويضات واذونات الصرف التي تمت خلال تلك الفترة الحرجة. واضافت ان كشف الفجوات في ملفات دعم الادوية والمستلزمات الطبية سيكون على رأس الاولويات نظرا لحساسية هذا الملف وتأثيره المباشر على الامن الاجتماعي. وشددت على ان الوصول الى الحقيقة هو الخطوة الاولى والضرورية لاي عملية محاسبة تهدف الى وضع حد للهدر المستمر في موارد الدولة.