دعا صندوق النقد الدولي دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا وآسيا الوسطى الى تبني حزمة من الاصلاحات الهيكلية لتعزيز استقلالية بنوكها المركزية. وبين الصندوق في تقرير حديث ان هذه الخطوات تبدأ بمراجعة القوانين المنظمة للعمل المصرفي وترسيخ مبدأ استقرار الاسعار كأولوية قصوى. واكد على ضرورة وضع صلاحيات قانونية واضحة ومحددة تضمن للبنك المركزي رسم وتنفيذ السياسة النقدية بعيدا عن التداخلات الحكومية.

واضاف التقرير ان حماية المؤسسات النقدية من التحول الى ادوات لتمويل العجز الحكومي تعد ضرورة ملحة. وكشف الصندوق عن اهمية فرض قيود صارمة تمنع الشراء المباشر لأدوات الدين الحكومي أو تقديم قروض مفتوحة للخزانة العامة. واشار الى ان هذه الضغوط المالية غالبا ما تدفع البنوك المركزية نحو سياسات توسعية تضعف قدرتها على كبح التضخم عند اشتداد الازمات.

وشدد الخبراء على اهمية الاستقلال المالي للمصارف المركزية كركيزة اساسية لاستقرار الاقتصاد الكلي. واوضح التقرير ان منح هذه المؤسسات القدرة على اعتماد موازناتها الخاصة ووضع قواعد شفافة لتوزيع الارباح وتغطية الخسائر يعزز من كفاءتها. وبين ان هذه الاستقلالية تضمن اداء المهام المنوطة بها دون التأثر باحتياجات المالية العامة قصيرة الاجل.

معايير الحوكمة والمساءلة

وكشفت التوصيات الدولية عن ضرورة تحسين معايير الحوكمة داخل البنوك المركزية عبر اعتماد آليات اختيار مهنية للمحافظين واعضاء مجالس الادارة. واكد التقرير ان تعيين القيادات بناء على الكفاءة والخبرة بعيدا عن الدورات السياسية يساهم في تقليل تضارب المصالح. واضاف ان تقليص تمثيل الحكومة في مجالس ادارة البنوك يعزز من الرقابة المستقلة ويقوي الثقة في القرارات الصادرة.

وبين الصندوق ان مصداقية البنك المركزي لا تكتمل الا بالمساءلة والشفافية التامة تجاه الجمهور والمستثمرين. واوضح ان نشر البيانات المالية المدققة ومحاضر اجتماعات السياسة النقدية يعد امرا جوهريا لضمان فهم السوق لاهداف البنك. وشدد على ان التواصل الفعال مع المجتمع يعزز من قدرة البنك على تثبيت توقعات التضخم وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

واظهرت الدراسات المرفقة بالتقرير وجود علاقة طردية بين استقلالية البنوك المركزية والقدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية. واكد التقرير ان الدول التي تتمتع بأطر نقدية واضحة نجحت في احتواء التضخم بشكل افضل من غيرها. واضاف ان الاستقلالية المؤسسية تعد صمام امان ضد الضغوط السياسية والمالية التي تعيق النمو المستدام.

تحديات التضخم والاصلاح المؤسسي

وكشف التقرير عن اختبار حقيقي واجهته البنوك المركزية في المنطقة خلال فترة ما بعد الجائحة والاضطرابات الجيوسياسية. واضاف ان ارتفاع اسعار الطاقة والغذاء فرض ضغوطا تضخمية عالمية دفعت البنوك للموازنة بين حماية التعافي الاقتصادي والسيطرة على الاسعار. وبين ان الدول التي تمتلك شفافية اكبر كانت اكثر قدرة على استيعاب هذه الصدمات.

واشار التقرير الى نماذج اصلاحية متباينة في المنطقة حيث حققت دول مثل المغرب والجزائر تقدما قانونيا منذ عقود. واضاف ان الاردن والعراق اتخذا خطوات هامة لتعزيز القيود على التمويل الحكومي وتقوية المؤسسات النقدية. واوضح ان السعودية وتونس عملتا على تحديث القوانين المصرفية لتعزيز الدور الرقابي والاستقلال التشغيلي.

وبين التقرير ان الفجوة لا تزال قائمة في بعض الدول العربية التي تعاني من تداخل المهام بين السياسة النقدية والمالية. واكد ان دول الخليج بفضل ربط عملاتها والاحتياطيات الكبيرة حافظت على استقرار نسبي. واضاف ان دولا اخرى واجهت صعوبات بسبب تآكل الثقة في السياسات النقدية والمالية وهو ما انعكس سلبا على مؤشرات التضخم والعملة المحلية.