اشعلت الادارة الامريكية فتيل ازمة تجارية عالمية جديدة بعد ان اعلنت عن مقترحات لفرض رسوم جمركية اضافية تتراوح نسبتها بين 10 و12.5 في المئة على واردات قادمة من 60 دولة حول العالم. وبررت واشنطن هذا التوجه باتهام شركائها التجاريين بالتقاعس عن منع دخول منتجات مصنعة في ظل ظروف عمل قسري الى الاسواق الامريكية. واعتبر مراقبون ان هذه الخطوة تتجاوز كونها اجراء اقتصاديا لتصبح اداة ضغط سياسي تهدف الى اعادة صياغة القواعد التجارية الدولية وفق الرؤية الامريكية الحالية.

واوضحت مصادر مطلعة ان مكتب الممثل التجاري الامريكي يسعى من خلال هذا المقترح الى بناء منظومة رسوم جديدة بديلة لتلك التي ابطلتها المحكمة العليا في وقت سابق. واضافت ان الادارة الامريكية تصر على ان فشل الدول في ضبط سلاسل الامداد الخاصة بها يجعل المنافسة غير عادلة للعمال الامريكيين في الداخل. وبينت ان القائمة المستهدفة تشمل قوى اقتصادية كبرى مثل الاتحاد الاوروبي وبريطانيا وكندا الى جانب الصين والهند واليابان.

وشدد الممثل التجاري الامريكي جيميسون غرير على ان الوضع الحالي غير مقبول ويتطلب تدخلا حاسما لحماية السوق المحلية من السلع التي لا تلتزم بمعايير العمل الدولية. واكد ان هذه الاجراءات ستخضع لفترة من التعليقات العامة وجلسات الاستماع قبل اتخاذ القرار النهائي في شهر يوليو. واشار الى ان واشنطن تهدف من هذا التحرك الى دفع المجتمع الدولي نحو تشديد الرقابة على مصادر الانتاج لضمان عدم استغلال العمالة.

موجة من الغضب والرفض الدولي

وقابل الاتحاد الاوروبي هذه المقترحات بموجة من الانتقادات اللاذعة حيث وصف مسؤولون في البرلمان الاوروبي المبررات الامريكية بانها غير منطقية ومثيرة للسخرية. واكدت المفوضية الاوروبية التزامها الكامل بالاتفاقيات التجارية المبرمة مسبقا مع واشنطن معتبرة ان القوانين الاوروبية الحالية كافية لمكافحة العمل القسري. واضافت ان التشكيك الامريكي في فعالية هذه الاجراءات يمثل تراجعا عن روح التفاهمات التي تم التوصل اليها في العام الماضي.

وكشفت بكين عن غضبها الشديد من هذه التحركات الامريكية واصفة اياها بانها تلاعب سياسي يفتقر الى الادلة الواقعية. واكدت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ان بلادها ترفض بشكل قاطع اي رسوم احادية الجانب وتعهدت باتخاذ تدابير مضادة لحماية مصالحها التجارية الوطنية. واوضحت ان هذه الخطوة تهدد بنسف حالة التهدئة الحذرة التي سادت العلاقات بين القوتين العظميين عقب القمة الرئاسية الاخيرة.

واظهرت الهند موقفا اكثر هدوءا حيث اشارت وزارة التجارة هناك الى ان هذه المقترحات لا تزال قيد التفاوض ولا تمثل قرارا نهائيا. واكد مسؤولون هنود ان نيودلهي مستمرة في حواراتها مع واشنطن للتوصل الى تفاهمات اقتصادية تخدم المصالح المتبادلة. وبينت ان هذه القضية قد تكون جزءا من استراتيجية تفاوضية اوسع تتبعها الادارة الامريكية لانتزاع تنازلات في ملفات تجارية اخرى.

مخاوف من اضطراب سلاسل التوريد

وتسود حالة من القلق في اوساط المستثمرين والشركات العالمية خشية ان تؤدي هذه الرسوم الى زيادة تكاليف التجارة الدولية بشكل كبير. واكد خبراء اقتصاديون ان هذه الاجراءات قد تزيد من ارباك سلاسل الامداد العالمية التي لا تزال تتعافى من تبعات التضخم والتوترات الجيوسياسية. واضافوا ان استثناء بعض السلع الحساسة مثل الطاقة والادوية والمعادن النادرة يعكس ادراك الادارة الامريكية لحجم التداعيات الاقتصادية المحتملة.

واوضحت التقارير ان واشنطن تستند في تحركاتها الحالية الى المادة 301 من قانون التجارة الامريكي التي تمنحها صلاحيات واسعة لمواجهة الممارسات غير العادلة. واشارت الى ان هذه الاستراتيجية لا تستهدف الصين فحسب بل تشمل اعادة هيكلة شاملة للعلاقات الاقتصادية مع مختلف الحلفاء والشركاء. وبينت ان النتيجة النهائية لهذا الاختبار ستحدد ملامح السياسة التجارية العالمية في المرحلة المقبلة.

وختمت التحليلات بان العالم يقف امام مرحلة دقيقة من التجاذبات التجارية التي قد تتحول الى نزاعات مفتوحة اذا لم يتم التوصل الى حلول وسط. واكدت ان الاشهر القادمة ستكون حاسمة في تحديد مدى قدرة الاقتصاد العالمي على استيعاب هذه الضغوط الجديدة. واضافت ان التوازن بين حماية حقوق العمال والحفاظ على استقرار التجارة الدولية يظل التحدي الابرز الذي يواجه صناع القرار في واشنطن والعواصم العالمية.