كشفت بيانات اقتصادية حديثة عن تعرض نشاط القطاع الخاص في منطقة اليورو لضغوط متزايدة، حيث سجل انكماشا هو الأسرع منذ نحو عام ونصف العام خلال شهر مايو. وأظهرت المسوحات الميدانية تراجع الطلب على السلع والخدمات بشكل ملموس، مما دفع الإنتاج للهبوط للشهر الثاني على التوالي وسط تصاعد لافت في تكاليف التشغيل التي بلغت مستويات قياسية لم تشهدها الأسواق منذ سنوات طويلة.

وأوضحت القراءات الصادرة عن مؤشر مديري المشتريات المركب تراجع الأداء إلى 48.5 نقطة، وهو مستوى يقع دون حاجز الخمسين نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش. وأكد الخبراء أن هذا التدهور يعكس حالة من عدم اليقين التي تخيم على الأسواق، خاصة مع ضعف الطلبات الجديدة وتأثر سلاسل التوريد بالمتغيرات الجيوسياسية الراهنة التي أثرت بشكل مباشر على تكاليف الطاقة والوقود.

وأضاف كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في ستاندرد آند بورز غلوبال، أن استمرار تراجع النشاط التجاري يعزز المخاوف من دخول اقتصاد منطقة اليورو في دوامة انكماش خلال الربع الثاني. وبينت التحليلات أن الناتج المحلي الإجمالي قد يواجه تراجعا بنسبة 0.2 في المئة ما لم تظهر بوادر تحسن جوهري في الأداء خلال الشهر المقبل، خاصة في ظل انخفاض الطلبات الخارجية التي سجلت أكبر هبوط لها هذا العام.

ضغوط التكاليف وتحديات السياسة النقدية

وبينت تقارير حديثة أن تكاليف المدخلات ارتفعت بوتيرة هي الأعلى منذ ثلاث سنوات ونصف، مما انعكس بشكل مباشر على أسعار البيع للمستهلكين التي وصلت إلى مستويات قياسية. وأشار صناع السياسات إلى أن تضخم أسعار الإنتاج يضع البنك المركزي الأوروبي أمام تحديات صعبة، حيث يتجاوز التضخم الحالي المستهدف البالغ 2 في المئة، مما يفتح الباب أمام نقاشات حادة حول مسار أسعار الفائدة في الاجتماعات المقبلة.

وشدد بعض المحللين على أن الشركات بدأت تعاني من تزايد الطاقة الإنتاجية غير المستغلة، مما دفع وتيرة فقدان الوظائف إلى التسارع لأعلى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات. وأكدت البيانات أن ثقة قطاع الأعمال لا تزال هشّة للغاية مقارنة بالمعايير التاريخية، مع بقاء المخاوف من تداعيات الأوضاع الدولية على استقرار الأسواق المحلية والقدرة الشرائية للمستهلكين.

وأوضح التقرير أن الانكماش لم يكن موحدا، حيث تركز الضعف الاقتصادي في ألمانيا وفرنسا كأكبر اقتصادين في المنطقة، بينما أظهرت دول أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا نموا طفيفا لا يزال يفتقر إلى القوة الكافية لانتشال المنطقة من حالة الركود العام.

تراجع الخدمات في القوى الاقتصادية الكبرى

وكشفت المسوحات عن انكماش قطاع الخدمات في ألمانيا للشهر الثاني على التوالي، متأثرا بارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. وأضاف الخبراء أن الأعمال المتراكمة تراجعت للشهر الثالث، مما اضطر الشركات إلى تقليص مستويات التوظيف بشكل مستمر، رغم وجود آمال ضئيلة في تحسن التوقعات مستقبلا بدعم من بعض الإجراءات الحكومية.

وبينت الأرقام أن قطاع الخدمات في فرنسا سجل بدوره تراجعا حادا هو الأكبر منذ أكثر من خمس سنوات، حيث تضررت الأنشطة التجارية بشدة من ضعف الطلب المحلي. وأكد جو هايز، الخبير الاقتصادي، أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي تكبل قرارات الشركات وتمنع أي استثمارات جديدة، مما يجعل من الصعب التنبؤ بتعافٍ اقتصادي قريب في ظل هذه الظروف الضاغطة.

وأظهرت المؤشرات الفرنسية المركبة أن الاقتصاد يعاني من هشاشة بدأت قبل فترات طويلة وتفاقمت مع تآكل الدخل المتاح للأفراد. وأكد المتابعون للمشهد الاقتصادي أن غياب الاستقرار في الأسعار وتكاليف الإنتاج سيظل العائق الأكبر أمام أي نهوض حقيقي في القريب العاجل، مما يضع الحكومات الأوروبية أمام ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لدعم القطاعات الحيوية.