وضعت سوريا حدا للجدل الدائر حول هويتها الاقتصادية المستقبلية من خلال تبني نهج الشراكة الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص كخيار بديل عن الخصخصة التقليدية. واكدت السلطات ان هذه الخطوة تهدف الى تحويل القطاع الخاص من دور المساند الى قاطرة حقيقية للتنمية تقود مرحلة التعافي الاقتصادي واعادة الاعمار في البلاد. وبينت التوجهات الجديدة ان الدولة ستكتفي بدور المنظم والضامن للسوق الحرة مع توفير بيئة تشريعية محفزة تهدف الى جذب رؤوس الاموال الوطنية والمهاجرة لضمان استدامة النمو.
مؤتمر دمشق يحدد مسار الانتعاش الاقتصادي
واختتمت العاصمة دمشق اعمال المؤتمر الوطني الاول لحوار القطاع الخاص الذي استمر لعدة ايام بحضور نخبة من الخبراء ورجال الاعمال. واوضح المشاركون ان هذا الحدث يمثل نقطة تحول جوهرية في مسار الاصلاح الاقتصادي الذي تشهده سوريا بعد التغيرات السياسية الاخيرة. واضافت وزارة الاقتصاد ان المؤتمر يهدف الى صياغة رؤية عملية تساهم في ردم فجوة الثقة وبناء اقتصاد سوق اجتماعي يوازن بين المبادرة الفردية والمسؤولية التنموية.
وكشفت المعطيات الصادرة عن المؤتمر ان القطاع الخاص السوري يمتلك بنية متنوعة ومرنة تعتمد بشكل رئيسي على المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل اكثر من تسعين في المائة من حجم الاعمال. واشار الخبراء الى ان هذه المؤسسات الصغيرة كانت الخزان الحقيقي للقوى العاملة والمهارات الانتاجية خلال سنوات الازمة. وشدد المؤتمر على اهمية دعم هذه القطاعات عبر توفير خطوط ائتمان وقروض ميسرة لتعزيز قدرتها على المنافسة في الاسواق المحلية والدولية.
هوية الاقتصاد السوري الجديد وقانون الاستثمار
وبين الخبير الاقتصادي اسامة قاضي ان المؤتمر ازال الغموض حول وجهة الاقتصاد السوري القادم مؤكدا انه يتجه نحو نموذج السوق الاجتماعي المشابه للتجارب الاوروبية. واضاف ان القطاع العام لن يخضع لعمليات خصخصة بل سيعمل جنبا الى جنب مع الخاص في شراكات استراتيجية تضمن تحقيق التوازن. واكد ان آليات العرض والطلب ستكون هي المحرك الاساسي للسوق مع التزام الدولة بدورها في الرقابة وضمان تطبيق قوانين الاستثمار.
واوضح قانون الاستثمار رقم مئة واربعة عشر ان الحكومة قدمت تسهيلات غير مسبوقة شملت اعفاءات ضريبية واسعة للقطاعات الزراعية والتعليمية والانتاج الصناعي الموجه للتصدير. واشار القانون الى ان الشركات التي تصدر اكثر من نصف انتاجها ستحظى باعفاءات ضريبية كبيرة تصل الى ثمانين في المائة. وبينت اللوائح التنفيذية ان هذه الحوافز تهدف الى تشجيع الاستثمار المباشر وخلق بيئة جاذبة للاعمال عبر خفض الاعباء الضريبية وتسهيل استيراد خطوط الانتاج.
واكد وزير الاقتصاد محمد نضال الشعار ان نموذج الاقتصاد السوري الجديد يجمع بين الواقعية والانفتاح المدروس مستفيدا من الخبرات الدولية الناجحة. واضاف ان تبني اقتصاد السوق لا يعني غياب دور الدولة او ترك السوق دون ضوابط بل يعني تعزيز الكفاءة والانضباط. واوضح ان القيمة الحقيقية للاصول العامة تكمن في قدرتها على خلق قيمة مضافة ومستدامة للاقتصاد الوطني بعيدا عن الشعارات التقليدية حول الخصخصة.
مستقبل الشراكة بين القطاعين العام والخاص
وكشفت التحليلات الاقتصادية ان القطاعات الحيوية المرشحة لقيادة التعافي تشمل الزراعة والطاقة والنقل والبنية التحتية. واضاف الخبراء ان سوريا تمتلك موارد وثروات باطنية وطاقات بشرية لم تستغل بالكامل بعد. وبينوا ان التحول نحو الاقتصاد الاخضر والاستخدام الرشيد للموارد اصبح ضرورة ملحة لخفض تكاليف التشغيل وجعل المنتجات السورية قادرة على المنافسة في الاسواق العالمية.
واوضح الخبير الاقتصادي زياد عربش ان مأسسة الحوار بين الحكومة والقطاع الخاص تعد خطوة حاسمة لردم فجوة التصورات وبناء الثقة. واضاف ان وجود كافة الفاعلين في مكان واحد يسهم في تحويل التوصيات من نقاش نظري الى قرارات تنفيذية ملموسة. واكد ان استعادة النمو تتطلب وجود لجنة تنفيذية مشتركة تضع جداول زمنية واضحة للمشاريع وتلتزم بميزانيات واقعية لضمان عدم بقاء التوصيات حبرا على ورق.
واشار عربش الى ان عودة رؤوس اموال المغتربين تتطلب اكثر من مجرد دعوات عاطفية بل تحتاج الى ضمانات قانونية وتسهيلات مصرفية ملموسة. واضاف ان منصات مثل بنيان سوريا وبرامج التمويل الدولي تلعب دورا محوريا في ربط المغتربين بمشاريع اعادة الاعمار. واكد ان تحويل هذا الحوار الى منصة تمويل مشترك سيضمن صهر الموارد العامة والخاصة في بوتقة انتاجية واحدة تقود نهضة اقتصادية مستدامة.
