تشهد العاصمة الإيرانية طهران تحولا لافتا في السلوك الاستثماري للمواطنين الذين وجدوا أنفسهم مدفوعين نحو سوق العقارات كخيار وحيد لحماية مدخراتهم من التآكل المستمر. وعلى عكس التوقعات التي أشارت إلى احتمالية جمود السوق بسبب التوترات الجيوسياسية والحرب الاخيرة، أدى القلق من تراجع قيمة العملة المحلية إلى نشاط غير مسبوق في عمليات شراء الأراضي والمساكن، حيث يسعى السكان لتحويل السيولة النقدية إلى أصول ملموسة تضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار المالي في ظل تضخم متسارع يلتهم القوة الشرائية.

واظهرت بيانات حديثة أن أسعار المساكن والإيجارات في طهران سجلت ارتفاعات قياسية بلغت نحو 80% منذ اندلاع الصراع في فبراير الماضي، وهي نسبة تتماشى بشكل مخيف مع معدلات التضخم السنوي التي تجاوزت 84%. واكد خبراء اقتصاديون أن هذا الانتعاش في القطاع العقاري لا ينبع من ثقة متنامية في الاقتصاد، بل هو انعكاس لحالة من الذعر الجماعي بين عشرة ملايين نسمة يخشون ضياع مدخرات العمر في ظل انهيار مستمر للريال.

ويشير المراقبون إلى أن حجم التداول العقاري لا يزال محدودا رغم هذه الطفرة السعرية، مما يعزز فرضية أن السوق تتحرك بدافع الخوف لا بدافع الاستثمار التنموي. واضاف محللون أن البائعين في طهران باتوا يرفعون أسعارهم بشكل يومي استباقا لمزيد من التدهور الاقتصادي، مما خلق حالة من الفوضى السعرية جعلت من الصعب تقييم القيمة العادلة للأصول العقارية في الوقت الراهن.

انحسار بريق الذهب امام صعود العقار

وبينت التحركات الاخيرة في الأسواق الإيرانية تراجعا نسبيا في جاذبية الذهب الذي كان يمثل الملاذ التقليدي، ليحل العقار محله كأداة حفظ قيمة مفضلة لدى العديد من العائلات. واوضح وسطاء عقاريون أن شققا سكنية تضاعفت أسعارها بشكل جنوني في غضون أسابيع قليلة، حيث قفزت قيمة بعض الوحدات من 30 مليار تومان إلى 58 مليار تومان، مما يعكس مدى التضخم في أسعار الأصول العقارية.

وذكر مراقبون أن المشترين يندفعون نحو السوق العقاري في المناطق المحيطة بطهران والمدن الساحلية على بحر قزوين، والتي شهدت نزوحا كثيفا خلال الأشهر الماضية. واكد البائعون أنهم يفضلون الاحتفاظ بعقاراتهم وعدم طرحها للبيع في الوقت الحالي، معتبرين أن العقار هو العملة الصعبة الوحيدة التي تضمن لهم البقاء في ظل اقتصاد يعاني من اختلالات هيكلية مزمنة.

وكشفت تقارير اقتصادية أن غياب نظام الرهن العقاري المتطور يجبر المشترين على السداد النقدي الكامل، مما يجعل السوق حكرا على فئة معينة من أصحاب السيولة الكبيرة. واضاف المحلل سعيد ليلاز أن السلطات تحاول تبرير الأزمات الاقتصادية بتبعات الحرب، بينما الحقيقة تؤكد أن المشكلات الاقتصادية في إيران أعمق بكثير وتتجاوز مجرد آثار الصراع العسكري.

تآكل العملة وقائمة الاسعار المشتعلة

واكدت البيانات أن الريال الإيراني فقد أكثر من نصف قيمته مقابل الدولار خلال الاثني عشر شهرا الماضية، مما وضع الأسر تحت ضغط معيشي خانق. واوضح مواطنون أن التفكير في شراء منزل تحول إلى ضرب من الخيال، حيث باتت الأولوية القصوى هي تأمين تكاليف الغذاء اليومية التي قفزت بنسب قياسية شملت الزيوت واللحوم والأرز ومنتجات الألبان.

واشار خبراء إلى أن سوق العقارات شهد ركودا لسنوات طويلة قبل هذه الموجة، حيث كان الذهب والعملات الأجنبية أكثر استجابة لتقلبات السوق. واضاف المستشار سياوش قاسمي أن التضخم الحالي يسير بوتيرة أسرع من قدرة أي أصل مالي على تعويض الخسائر، مما يعني أن الاستثمار في العقار قد لا يكون كافيا لحماية المدخرات من التبخر الكامل في المدى المنظور.

وختم المراقبون بأن المشهد الاقتصادي في إيران يتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث لم تظهر بعد الآثار الكاملة للصراع على المدى الطويل. واكدوا أن الأسر الإيرانية تعيش حالة من عدم اليقين، تجعل من اتخاذ أي قرار استثماري مغامرة محفوفة بالمخاطر في ظل بيئة اقتصادية تفتقر للاستقرار والشفافية.