سجلت معدلات التضخم في دول منطقة اليورو ارتفاعا لافتا خلال الشهر الجاري، حيث قفزت الارقام لتصل الى مستوى 3.2 بالمئة، وهو ما يعيد تسليط الضوء على التحديات الاقتصادية التي تواجه القارة العجوز في ظل تقلبات الاسواق العالمية، وتاتي هذه البيانات الصادرة مؤخرا لتعكس حالة من القلق المتزايد لدى صناع القرار بشان استقرار الاسعار، خاصة مع تجاوز هذه النسبة المستهدف الرسمي للبنك المركزي الاوروبي.
وكشفت التقارير الاحصائية ان السبب الرئيسي وراء هذا الصعود يعود بشكل مباشر الى الزيادة الحادة في تكاليف الطاقة التي سجلت قفزة بلغت نحو 10.9 بالمئة، تزامنا مع ارتفاع ملحوظ في اسعار الخدمات بنسبة 3.5 بالمئة، مما خلق ضغطا اضافيا على ميزانيات الاسر والشركات على حد سواء في مختلف دول المنطقة.
واوضحت البيانات ان التضخم الاساسي الذي يستبعد العناصر الاكثر تقلبا مثل الغذاء والطاقة قد ارتفع هو الاخر ليصل الى 2.5 بالمئة، وهو مؤشر يثير قلق المحللين بشان مدى تجذر الضغوط التضخمية في بنية الاقتصاد الاوروبي، مما يجعل مهمة السيطرة على الاسعار اكثر تعقيدا مما كان متوقعا في السابق.
سيناريوهات السياسة النقدية في اوروبا
وبينت التحليلات ان هذه المعطيات تضع البنك المركزي الاوروبي امام خيارات صعبة، حيث تزداد التوقعات بشان اتخاذ خطوة جديدة لرفع اسعار الفائدة خلال الاجتماع القادم، وذلك في محاولة لكبح جماح التضخم قبل ان يخرج عن السيطرة بشكل اكبر، رغم المخاوف من ان تؤدي هذه السياسة الى تباطؤ النمو الاقتصادي.
واكد الخبراء ان الاسواق المالية بدات بالفعل في تسعير احتمال زيادة بمقدار 25 نقطة اساس، مع وجود ترقب لخطوات اخرى قد تتبعها في فصل الخريف، مشيرين الى ان صناع السياسات يوازنون بحذر بين ضرورة محاربة ارتفاع الاسعار وبين الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي المهدد اصلا بالصدمات الجيوسياسية.
واضاف المحللون ان وتيرة التشديد النقدي المرتقبة ستكون على الارجح اكثر توازنا مقارنة بالدورات السابقة، وذلك بالنظر الى ضعف النمو الاقتصادي الذي يحد من قدرة الشركات على تمرير تكاليف الانتاج المرتفعة الى المستهلك النهائي، وهو ما قد يخفف جزئيا من حدة التداعيات المتوقعة على القدرة الشرائية للافراد.
تحديات النمو الاقتصادي والاعتماد على الطاقة
وشدد التقرير على ان استمرار اعتماد اوروبا على استيراد مصادر الطاقة يجعلها عرضة لهزات خارجية مستمرة، حيث تعكس مؤشرات مديري المشتريات تراجعا في ثقة الاعمال، مما يعزز التوقعات بخفض تقديرات النمو الاقتصادي في ظل حالة عدم اليقين السائدة.
وبينت المعطيات ان الاسر الاوروبية رغم امتلاكها لمدخرات سابقة، الا انها بدات تتبنى سلوكا اكثر حذرا في الانفاق، وهو ما يفسر التباطؤ النسبي في الطلب، مؤكدة ان سوق العمل يواجه هو الاخر ضغوطا تتطلب تعاملا دقيقا من قبل الجهات المختصة لتجنب ركود طويل الامد.
واشار المتابعون للمشهد الاقتصادي الى ان انتقال اثر ارتفاع تكاليف الطاقة الى الاقتصاد العام قد يكون اقل حدة مما كان عليه في الازمات السابقة، مما يمنح البنك المركزي هامشا ضيقا للمناورة، مع بقاء الهدف الاساسي متمثلا في اعادة التضخم الى مستويات قريبة من الهدف المحدد بـ 2 بالمئة على المدى المتوسط.
