تستعد الاسواق المالية العالمية لموجة من التقلبات الحادة خلال الايام المقبلة مع توالي صدور بيانات التضخم الامريكية وقرارات البنوك المركزية الكبرى التي باتت في وضع لا تحسد عليه. وتلعب التوترات الجيوسياسية الحالية دورا محوريا في ارباك المشهد الاقتصادي حيث ادى ارتفاع اسعار الطاقة الى تبدد التوقعات السابقة بخفض اسعار الفائدة وسط مخاوف من تضخم مستدام يصعب السيطرة عليه. واظهرت المؤشرات الاولية ان البنوك المركزية قد تضطر الى تبني سياسات نقدية اكثر تشددا في ظل الضغوط التي تفرضها تكاليف الشحن وسلاسل الامداد العالمية.

وتترقب الاوساط المالية بتركيز شديد صدور بيانات التضخم الامريكية لشهر مايو والتي تعد الورقة الحاسمة في تحديد مسار مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعه القادم. واكد خبراء الاقتصاد ان قوة سوق العمل الامريكي الاخيرة جعلت من خيار خفض الفائدة امرا مستبعدا في الوقت الراهن بعد ان كان مرجحا في السابق. وبينت البيانات الصادرة عن مؤسسات مالية كبرى ان الاسواق باتت تسعر احتمالية رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة اساس قبل نهاية العام الجاري لمواجهة تغلغل اسعار الطاقة في قطاعات الاقتصاد.

واضاف المحللون ان اي قراءة للتضخم تتجاوز التوقعات ستؤدي حتما الى سحب البساط من تحت اقدام صناع السياسة النقدية وتنهي اي مبررات للتيسير في المستقبل القريب. وشدد المراقبون على اهمية مؤشر اسعار المنتجين الذي سيصدر لاحقا لقياس مدى الضغط على خطوط الانتاج بالتزامن مع عمليات بيع سندات الخزانة الامريكية التي تتابعها الاسواق بحثا عن مؤشرات حول تكاليف الاقتراض طويلة الاجل.

تحركات المركزي الاوروبي ومخاوف الركود

وبينما تتجه الانظار نحو واشنطن يمثل قرار البنك المركزي الاوروبي بشأن اسعار الفائدة ذروة الاحداث في القارة العجوز هذا الاسبوع. واشار محللون ماليون الى ان التوجه العام يميل نحو رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة اساس بهدف كبح جماح التضخم الذي تسببت فيه طفرة اسعار النفط الاخيرة. واوضح الخبراء ان البنك المركزي الاوروبي سيظل ملتزما بنهج حذر يعتمد على تقييم البيانات في كل اجتماع على حدة في ظل غياب الدعم المالي الحكومي القوي.

واكدت التوقعات ان منطقة اليورو قد تشهد جولات رفع اضافية قبل ان تبدأ مرحلة التحول العكسي في السياسة النقدية خلال الفترة القادمة. واضافت تقارير اقتصادية ان الاقتصاد الاوروبي يواجه تحديات مضاعفة نتيجة ضغوط تكاليف المعيشة التي تؤثر بشكل مباشر على استهلاك الاسر ونشاط الشركات. وبينت التحليلات ان البنك المركزي الاوروبي سيحاول الموازنة بين ضرورة السيطرة على الاسعار وتجنب دفع الاقتصاد نحو انكماش حاد.

وشدد خبراء في بنوك استثمارية على ان الوضع في لندن لا يقل تعقيدا حيث تشير التقديرات الى احتمالية تسجيل انكماش طفيف في الناتج المحلي الاجمالي. واوضحوا ان ارتفاع تكاليف الاعمال يضغط بقوة على الشركات البريطانية مما يضع بنك انجلترا في موقف صعب قبل اجتماعه المرتقب هذا الشهر. واضافوا ان بنك كندا قد يختار التريث والابقاء على اسعار الفائدة دون تغيير رغم دخول الاقتصاد في حالة ركود تقني رغبة منه في تقييم تداعيات الازمات الجيوسياسية على استقرار الاسعار.

المشهد الاسيوي وطفرة التقنية

وتشهد الاسواق الاسيوية تحركات متباينة حيث تترقب طوكيو بيانات النمو في وقت يسعى فيه بنك اليابان لتعزيز استقرار السندات السيادية طويلة الاجل. وبينت التقارير ان بكين تستعد للكشف عن بيانات التجارة وسط توقعات بنمو قوي للصادرات بفضل التحول نحو المنتجات التقنية المتطورة. واضاف المحللون ان الاستثمارات العالمية الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي اصبحت تمثل طوق نجاة للاقتصاد الصيني في مواجهة تكاليف الطاقة المرتفعة.

واكدت مؤسسات مالية ان بنك كوريا الجنوبية يتجه نحو تشديد سياسته النقدية لمواجهة التضخم المتصاعد في مايو. واوضحت التوقعات ان الهند قد تواجه قفزة في معدلات التضخم لتصل الى مستويات قياسية نتيجة ارتفاع اسعار الغذاء والوقود. وشدد الخبراء على ان هذه التحركات في الاسواق الناشئة تعكس حالة من عدم اليقين التي تسيطر على الاقتصاد العالمي بأسره في ظل غياب رؤية واضحة لمستقبل اسعار الفائدة.