تواجه قرية النبي صموئيل الواقعة شمال غرب مدينة القدس المحتلة تحديات وجودية تهدد هويتها الفلسطينية بشكل كامل. حيث تحولت هذه القرية التي كانت تمثل يوما ما جسرا حيويا يربط بين مدينتي القدس ورام الله إلى جيب معزول ومحاصر يضم نحو 400 فلسطيني يعيشون وسط قيود أمنية خانقة تفرضها سلطات الاحتلال. وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه حكومة الاحتلال إلى مصادرة مساحات شاسعة من أراضي القرية وبلدة بيت إكسا المجاورة بذريعة التوسع العمراني وحماية المواقع التراثية.
وكشفت مصادر محلية أن القرار الإسرائيلي الأخير يستهدف الاستيلاء على نحو 110 دونمات تشمل محيط مسجد النبي صموئيل الأثري وأراضيه الوقفية. وأظهرت الممارسات الميدانية أن الاحتلال لم يكتفِ بالمصادرة فحسب بل عمد إلى السيطرة على الطابق السفلي من المسجد وتحويله إلى كنيس يهودي وسط حماية أمنية مشددة. واضاف أهالي القرية أن هذه الخطوات ليست إلا حلقة ضمن سلسلة طويلة من المشاريع الرامية إلى تغيير المشهد الديموغرافي والجغرافي للمنطقة وطمس معالمها التاريخية والإسلامية.
واكد مراقبون أن سياسة الاحتلال في النبي صموئيل تعتمد على استراتيجية ممنهجة لفرض وقائع استيطانية جديدة تخدم رواية الاحتلال المتطرفة. وبينت التقارير أن سلطات الاحتلال تستخدم ذريعة التطوير والترميم كغطاء قانوني لإقصاء الرواية الفلسطينية واستبدالها بمشاريع سياحية استيطانية. وشدد خبراء في شؤون الاستيطان على أن هذه الممارسات تهدف إلى عزل المسجد عن محيطه الفلسطيني وتحويله إلى موقع أثري يهودي بقوة السلاح في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية.
أدوات السيطرة والتهويد
وبين المحامي رمزي بركات عضو مجلس قروي النبي صموئيل أن القرية تعاني من ضغوط متزايدة بعد قرار المصادرة الأخير الذي منح الأهالي مهلة قصيرة للاعتراض. وأوضح أن الاحتلال يهدف من خلال هذه القرارات إلى تحويل المنطقة إلى مرفق سياحي استيطاني يضم فنادق ومحال تجارية لضمان بقاء السيطرة الإسرائيلية دائمة. واكد أن القرية كانت تضم مساحات شاسعة تقلصت اليوم بفعل الجدار الاستيطاني وسياسات التهجير القسري التي بدأت منذ عقود طويلة.
وكشف بركات أن أعمال التنقيب التي أجرتها سلطات الاحتلال لم تسفر عن أي دليل أثري يدعم مزاعمهم التاريخية رغم ادعاءاتهم المتكررة. وأضاف أن الاحتلال يسعى بكل قوته إلى فرض مخططات هيكلية تهدف إلى محو التاريخ الفلسطيني للقرية التي كانت قائمة قبل عام 1948. وشدد على أن السكان صامدون في أرضهم رغم كل محاولات الترهيب والضغط النفسي الذي تمارسه قوات الاحتلال بشكل يومي.
واظهرت الوقائع أن القرية تعيش حالة من العزلة التامة حيث تحولت حياة السكان إلى جحيم يومي بفضل الحواجز العسكرية المنتشرة. واوضح المواطن عيد بركات أن الاحتلال فرض نظام البطاقات الممغنطة التي تجبر الفلسطينيين على استجداء حقهم في الدخول والخروج من منازلهم. واضاف أن أي فرد يخرج من القرية قد يواجه خطر المنع من العودة إليها وهو ما يضطر الكثيرين للبقاء داخل أسوار القرية خوفا من فقدان حقهم في العيش على أرضهم.
واقع مرير تحت الحصار
واكد السكان أن القيود الإسرائيلية لا تقتصر على الحركة بل تمتد لتشمل أبسط مقومات الحياة اليومية بما في ذلك إدخال الأثاث والمواد الأساسية. واضاف بركات أن المزارعين يواجهون صعوبات كبيرة في استثمار أراضيهم بسبب منعهم من البناء أو تنفيذ أي أعمال تطوير لحماية محاصيلهم. وشدد على أن القرية أصبحت تشبه السجن الكبير بأسوار خضراء تمنع التواصل الاجتماعي وتفكك الروابط العائلية التي كانت تميز المجتمع الفلسطيني.
وكشفت التحليلات السياسية أن ما يحدث في النبي صموئيل هو جزء من مخطط أوسع يهدف إلى ربط الكتل الاستيطانية الكبرى حول القدس ببعضها البعض. وبين المحلل سهيل خليلية أن الهدف الاستراتيجي للاحتلال هو تنفيذ مشروع القدس الكبرى الذي يربط مستوطنات معاليه أدوميم وغوش عتصيون وجفعات زئيف. واكد أن السيطرة على هذه القرية تعد حلقة وصل أساسية في هذا المخطط التوسعي الذي يسعى لفرض واقع سيادي جديد على الأرض.
واضاف خليلية أن السنوات الأخيرة شهدت انتقالا نوعيا في إدارة المواقع الأثرية عبر نقل الصلاحيات من الجيش إلى مؤسسات مدنية متطرفة. وشدد على أن هذه الخطوات تعكس رغبة الاحتلال في تسريع وتيرة الاستيطان بعيدا عن الرقابة الدولية. واكد في ختام حديثه أن استهداف النبي صموئيل يمثل اختبارا حقيقيا للسياسات الإسرائيلية التي تسعى لإعادة رسم الحدود الجغرافية بما يضمن دمج المستوطنات بالسيادة الإسرائيلية بشكل نهائي.
