تواصل الجهات الامنية السورية عملياتها الميدانية في مختلف المحافظات لملاحقة المتورطين في انتهاكات حقوق الانسان خلال فترة حكم النظام السابق، حيث تهدف هذه التحركات الى ترسيخ مبدا عدم الافلات من العقاب وتحقيق العدالة الانتقالية التي ينتظرها ذوو الضحايا منذ سنوات طويلة، وتكشف البيانات الرسمية عن وتيرة متسارعة في عمليات التوقيف التي تشمل شخصيات امنية وعسكرية بارزة كانت تدير ملفات الاعتقال والتغييب القسري في البلاد.
واكدت وزارة الداخلية السورية في سلسلة بيانات حديثة نجاحها في الاطاحة بعدد من الاسماء التي كانت توصف بالخطيرة، ومن بينها المدعو رافت انور العامودي الذي القي القبض عليه في محافظة درعا لضلوعه في عمليات ابتزاز وتنسيق مباشر مع الاجهزة الامنية السابقة، واوضحت التحقيقات ان الموقوف كان يعمل تحت اشراف قيادات امنية نافذة، حيث لعب دورا محوريا في عمليات الاعتقال التي طالت مدنيين قبل ابتزاز ذويهم ماليا مقابل وعود وهمية بالافراج عنهم.
واضافت التقارير الميدانية ان هذه العمليات تاتي في اطار اوسع لتفكيك شبكات النفوذ التابعة للنظام السابق، حيث تم توقيف اللواء قيس حسان العبد الرجب وهو احد الوجوه البارزة في ادارة المخابرات العامة، والذي ارتبط اسمه بانتهاكات جسيمة في ريف دمشق ودرعا، كما شملت قائمة الموقوفين مساعدين عسكريين ومدراء مكاتب لقادة ميدانيين كانوا يشرفون على عمليات عسكرية واسعة النطاق.
تفكيك شبكات المسؤولية الامنية
وبينت الوزارة في احصائياتها الاخيرة ان ادارة مكافحة الارهاب نجحت خلال الاشهر الثلاثة الماضية في توقيف اكثر من ثلاثمائة شخص من المطلوبين، من بينهم اربع وثلاثون شخصية امنية رفيعة المستوى، واظهرت التحقيقات ان هؤلاء لم يكتفوا بارتكاب الانتهاكات خلال فترة الصراع فحسب، بل استمر بعضهم في ممارسة انشطة تخريبية وتجنيد خلايا ارهابية حتى بعد تغير المشهد السياسي في البلاد.
واوضح مراقبون ومختصون في حقوق الانسان ان هذه الاعتقالات تمثل تحولا نوعيا في مسار المحاسبة، حيث انتقلت من ملاحقة الافراد الى كشف خيوط الشبكات الامنية المعقدة، وشدد الخبراء على ان توقيف شخصيات مثل امجد يوسف المتهم بمجزرة التضامن، والجنرال عدنان عبود حلوة المتهم بقضايا الاسلحة الكيميائية، ساهم بشكل مباشر في الوصول الى متورطين اخرين كانوا يعملون في الخفاء.
واشار المحللون الى ان الحكومة السورية تسعى من خلال هذه الاجراءات الى تقديم رسالة واضحة للمجتمع الدولي والداخل السوري بان مرحلة اعادة البناء ترتكز اساسا على المساءلة، وكشفت المعطيات ان المحاكمات التي جرت لبعض المسؤولين، مثل العميد عاطف نجيب، فتحت الباب امام تسريع ملفات قضائية كانت عالقة منذ اكثر من عقد من الزمن، مما يفسر تكثيف النشاط الامني في المناطق التي كانت تحت سيطرة هؤلاء القادة.
العدالة الانتقالية كاولية وطنية
وذكرت مصادر مطلعة ان التحقيقات الجارية مع الموقوفين كشفت عن ادوار دقيقة لضباط وعناصر شاركوا في التستر على الجرائم او تسهيل ارتكابها، واوضحت ان المعلومات المستخلصة من هؤلاء الموقوفين باتت تشكل خارطة طريق للجهات القضائية لتحديد اماكن وجود متورطين اخرين لا يزالون في حالة فرار، مما يعزز من فرص تحقيق العدالة في القضايا التي تهم الراي العام السوري.
واكدت الجهات المعنية ان العمل مستمر ولن تتوقف حملات الملاحقة حتى يتم استكمال ملفات جميع المتورطين، مشيرة الى ان التنسيق بين مختلف الاجهزة الامنية والادارات المختصة بمكافحة الارهاب ساهم في رفع كفاءة العمليات الميدانية، واضافت ان الدولة ملتزمة بضمان حقوق الضحايا وانهاء ملفات المفقودين عبر تفكيك كافة البنى التي كانت تعيق سير العدالة في السابق.
وختمت المصادر بان هذه الخطوات تاتي تلبية لمطالب شعبية ملحة، حيث لا يزال ملف المعتقلين والمغيبيين قسريا يتصدر اولويات المرحلة الانتقالية، وبات واضحا ان المؤسسات السورية الجديدة تضع ملف المحاسبة كركيزة اساسية لاستعادة الثقة وتحقيق الاستقرار المستدام في جميع المحافظات السورية.
