تمثل الانفراجة الاخيرة في ازمة مضيق هرمز اكثر من مجرد ضمان لتدفق شحنات الطاقة العالمية، فهي تشكل نقطة تحول استراتيجية تحمل ابعادا اقتصادية عميقة تؤثر بشكل مباشر على المنظومة المالية لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث يعد هذا الممر المائي الشريان الرئيس لتجارة الطاقة الدولية، وعودة الملاحة فيه لطبيعتها تفتح افاقا جديدة للاستقرار الإقليمي الكلي.
واعلنت الولايات المتحدة وايران في وقت سابق عن اتفاق مبدئي لإنهاء التوترات في الشرق الاوسط واعادة فتح المضيق الحيوي بعد فترة من الاضطراب العالمي، واكد الرئيس الامريكي دونالد ترمب ان الاتفاق مع طهران قد اكتمل، داعيا سفن العالم للعودة الى العمل وضخ النفط في الاسواق الدولية من جديد.
واظهرت الاسواق العالمية تفاعلا فوريا مع هذه الانباء، حيث شهدت العقود الاجلة لخام برنت تراجعا ملحوظا في ظل ترقب توقيع المعاهدة الرسمية في سويسرا، مما يعزز من فرص الاستقرار الاقتصادي للمنطقة ويقلل من حدة المخاوف التي سيطرت على المستثمرين لفترة طويلة.
تعافي الميزانيات وسد الفجوات المالية
وبين خبراء اقتصاديون ان انفراج الازمة يتجاوز فكرة ضمان الامدادات ليصبح دعامة هيكلية للاستقرار المالي، مشيرين الى ان مكاسب الثقة المستدامة تفوق بكثير الطفرات السعرية المؤقتة التي نتجت عن التوترات الجيوسياسية السابقة، وهو ما يدعم تعافي الناتج المحلي الاجمالي لدول الخليج.
واكد البنك الدولي في تحليله الاخير ان عودة تدفقات النفط والغاز عبر المضيق ستسهم بشكل مباشر في تنفيس الاختناقات المالية التي واجهت دول المجلس، متوقعا ان تقود هذه الخطوة تعافي الاقتصاد الإقليمي بشكل تدريجي ومستدام خلال السنوات المقبلة.
واوضح التقرير ان حجم الضرر الاقتصادي لم يكن متماثلا، حيث عانت دول مثل الكويت والعراق بشكل اكبر نتيجة غياب المنافذ البديلة، بينما واجهت دول اخرى تحديات لوجستية وتكاليف تأمين مرتفعة، وهو ما جعل من عودة الملاحة ضرورة قصوى لاستعادة التوازن المالي وتجنب العجز في الموازنات العامة.
المرونة الاستراتيجية وانحسار المخاطر
وكشفت الازمة عن مرونة عالية في البنية التحتية للسعودية التي نجحت في تحويل جزء كبير من صادراتها عبر البحر الاحمر باستخدام خطوط الانابيب، كما استفادت سلطنة عمان من موانئها المطلة على بحر العرب لضمان استمرار التدفقات التجارية بعيدا عن اي اختناقات محتملة في المضيق.
واضاف المحللون ان الميزة الفورية لهذا الاتفاق تتمثل في تراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تثقل كاهل الاسواق المالية، حيث يؤدي انخفاض هذه العلاوة الى تحفيز التدفقات الاستثمارية الاجنبية وتشجيع المؤسسات الدولية على ضخ رؤوس الاموال في مشاريع المنطقة التنموية.
وشدد الخبراء على ان انخفاض تكاليف النقل والتأمين البحري سيعزز من كفاءة التجارة البينية وسلاسل الامداد العالمية، مما يرفع من تنافسية الموانئ الخليجية ويجعلها وجهة اكثر جاذبية للاستثمارات طويلة الاجل في قطاعات الصناعة والتقنية والخدمات اللوجستية.
مستقبل الاسواق المالية والاستثمار
وبينت المؤشرات ان الاسواق المالية الخليجية من المتوقع ان تشهد اقبالا متزايدا على الاسهم القيادية في قطاعات البنوك والبتروكيميائيات، فضلا عن انتعاش سوق السندات والصكوك مع تحسن شهية الصناديق العالمية تجاه ادوات الدين السيادية والشركاتية في المنطقة نتيجة استقرار الاوضاع.
واكد المراقبون ان هذا الوضوح في المشهد الاستثماري يعزز من قدرة الشركات على تنفيذ مشاريعها الكبرى وتوسيع انشطتها التنموية، حيث كانت حالة الترقب السابقة تدفع الكثير من الكيانات الاستثمارية لتأجيل قراراتها الرأسمالية، وهو ما تغير الان مع انحسار المخاطر السياسية.
واضاف المتخصصون ان الاستقرار في اسعار النفط يعتبر مكسبا حقيقيا على المديين المتوسط والطويل، اذ يضمن وصول الصادرات بانتظام الى العملاء التقليديين والجدد، مما يساعد دول الخليج على المضي قدما في رؤى التنمية الوطنية وتنويع الاقتصاد بعيدا عن الاعتماد الكلي على الايرادات النفطية المتقلبة.
