دخل قطاع البنوك والمؤسسات المالية في تونس مرحلة جديدة من التوتر بعد بدء اضراب عام شل حركة العمل في مختلف الفروع والمؤسسات التامينية. واظهرت التحركات الميدانية اصرار النقابات العمالية على فرض شروطها في ملف الاجور بعد ان وصلت المفاوضات مع المؤسسات البنكية الى طريق مسدود. وياتي هذا التحرك في ظل تباين كبير في الرؤى حول استحقاقات الموظفين المالية في قطاع يعد من اكثر القطاعات ربحية في البلاد.

واكدت الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل ان الاضراب يمثل ردا مباشرا على السياسات الاحادية التي ينهجها المجلس البنكي والمالي. وبينت القيادات النقابية ان نسبة الاستجابة للاضراب كانت واسعة مما يعكس حالة الاحتقان الكبيرة بين صفوف الموظفين الذين يطالبون بتحسين ظروفهم المادية والمهنية. واوضحت ان المسالة لا تتعلق فقط بزيادات مالية بل بكرامة الموظفين وحقهم في حوار اجتماعي جدي.

واضافت المصادر النقابية ان محاولات التواصل مع ادارات البنوك قوبلت بالتجاهل مما دفع العمال للجوء الى خيار الاضراب كاداة قانونية مشروعة لتحقيق المطالب العالقة. وشدد المحتجون على ان سياسة المماطلة التي تتبعها البنوك لا تخدم استقرار القطاع المالي في تونس وتزيد من حدة الاحتقان. واكدوا على انهم مستمرون في تحركاتهم حتى يتم التوصل الى اتفاق عادل يراعي تطلعاتهم.

موقف المؤسسات البنكية من الاضراب

ورد المجلس البنكي والمالي على هذه التحركات بالتأكيد على ان جميع المؤسسات المالية التزمت بتنفيذ الزيادات المقررة وفقا للقوانين والاتفاقيات المشتركة. واعتبر المجلس في بيان رسمي ان الدعوة للاضراب لا تستند الى مبررات موضوعية خاصة في ظل صرف الزيادات المتفق عليها سابقا. واوضح ان هذا التصعيد قد يلحق اضرارا بمصالح الحرفاء الذين يعتمدون على الخدمات البنكية في معاملاتهم اليومية.

وحذر المجلس من تبعات هذا التوقف عن العمل مؤكدا ان الادارات ستطبق القانون بحذافيره على المشاركين في الاضراب. واشار الى ان من بين الاجراءات المتوقعة خصم ايام العمل من الاجور الشهرية والامتيازات المرتبطة بالوظيفة. وشدد على ضرورة تحييد القطاع المالي عن التجاذبات النقابية لضمان استمرارية الخدمات الحيوية وتزويد اجهزة الصرف الالي بالنقد.

وبينت ادارات البنوك حرصها على استقرار العمل وتوفير الخدمات الاساسية للمواطنين رغم التحديات التي يفرضها الاضراب. واكدت ان الحوار يظل السبيل الوحيد لحل الخلافات بعيدا عن تعطيل المرفق العام. واوضحت ان التزامها بالقوانين النافذة يمثل المرجعية الوحيدة في التعامل مع ملفات الاجور والمنح.

انعكاسات الارباح على مطالب الموظفين

وتشير البيانات المالية الرسمية الى ان القطاع البنكي في تونس حقق نتائج قوية خلال العام الماضي حيث ارتفعت الارباح الصافية للبنوك بشكل ملحوظ مقارنة بالفترات السابقة. واظهرت المؤشرات ان نمو الودائع وتوسع الاستثمارات في سندات الخزينة عززا من متانة المركز المالي للمؤسسات البنكية. واكد خبراء اقتصاديون ان هذه الارقام القوية هي التي دفعت النقابات للمطالبة بحصة عادلة من هذه الارباح.

واوضح المحللون ان الفجوة بين الارباح المحققة والاجور المدفوعة خلقت حالة من عدم الرضا لدى الموظفين الذين يشعرون بانهم المحرك الاساسي لهذا النمو. وكشفت التقارير الاقتصادية ان البنوك الخاصة اصبحت تلعب دورا قياديا في السوق مما زاد من حدة المطالب النقابية بضرورة مراجعة سلم الاجور. واضافوا ان هذه الازمة تعكس اختلالا في موازين القوى داخل القطاع المالي.

وبين الخبراء ان تراجع دور الرقابة الحكومية في فرض توازن عادل ساهم في تعقيد المشهد النقابي. واشاروا الى ان استمرار هذا النزاع قد يؤثر على ثقة المستثمرين في استقرار القطاع البنكي. واكدوا ان الوصول الى حل توافقي اصبح ضرورة ملحة للحفاظ على التوازنات الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.